|
الدكتور أياد علاوي والدور المطلوب أمريكيا |
|
فائق الياسري لم يكن اختيار السفير بول بريمر للدكتور أياد علاوي لمنصب رئيس الحكومة العراقية في المرحلة الانتقالية بالأمر المفاجئ بالنسبة للكثير من المتتبعين للشأن العراقي لاسيما وهو الشخصية المتحدرة من الوسط البعثي والمعروف بارتباطه بالمخابرات الأمريكية وحصوله على الدعم المباشر منها وهو ذو طروحات معدة بالاتفاق لكسب القوى المؤثرة والفاعلة في النظام السابق من أجل عودتها لممارسة دورها في النظام الجديد المستنسخ عن النظام السابق مع بعض الرتوش المطلوبة في هذه المرحلة التي صيغت معالمها في كواليس الإدارة الأمريكية وأجهزتها المعقدة فيما سيخضع هذا النظام للأشراف الأمريكي المباشر من خلال المستشارين المفروضين على الوزارات بقيادة السفير الأمريكي الجديد نغروبونتي الذي ساهم في عملية الإطاحة بنظام حكم الساندنيستا في نيكاراكوا انطلاقا من الهندوراس أوائل الثمانينات من القرن الماضي والتي رافقتها انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان والذي ستنقل إليه المهمة التي كلف بها السفير بول بريمر المنتهية ولايته في العراق المحتل وفقا لاتفاق طالباني- بريمر. كما جاء اختيار الدكتور أياد علاوي إلى هذا المنصب كونه يتسم بالمواصفات المطلوبة في هذه المرحلة والشخصية الأكثر تأهيلا لاستعادة النظام العراقي المنهار بعد عودة أغلب عناصره إلى واجهة الدولة بعد إحداث بعض التغييرات الشكلية في هيكله كما أنه لم يكن من الناحية الإدارية بأقل تفردا ودكتاتورية من صدام حسين وخاصة ما عرف عنه داخل حركته التي هيمن على قرارها شأنه شأن الكثير من قيادات الحركات والأحزاب السياسية العراقية وتعامله مع قياداتها وعناصرها وكأنهم أجراء عنده وهو ما أدى إلى انفضاض الكثير من حوله وخاصة منتسبي حركته وقيادتها بدءا من صلاح عمر العلي وصلاح الشيخلي وانتهاءا بالمجموعة التي تخلت عنه بعد سقوط النظام وانهيار الدولة العراقية على أيدي الغزاة الذين اعتمد أياد علاوي عليهم في تحقيق هدف وصوله للسلطة بعد أن فشلت كل مؤامراته التي حاكها انطلاقا من الأراضي الأردنية وبمشاركة المخابرات الأمريكية مباشرة وبهذا الاختيار ستتمكن أمريكا من إبعاد القوى غير المرغوب بها والتي تشك في تعدد ولاءاتها السياسية أو الأيديولوجية إلى دول أخرى غير منسجمة مع خصوصية المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة. ومن هنا نتبين أن رغبة أمريكا الجامحة في تسليم السلطة للعراقيين دون استحقاقاتها في الثلاثين من حزيران ولأشخاص يخصونها بالولاء والطاعة إنما جاء كضرورة حتمية لنقل واقع الوجود الأمريكي الذي تعرض إلى مأزق حقيقي دولي ومحلي من صفة الاحتلال إلى صفة القوات المستضافة من قبل حكومة عراقية تحضى بتأييد المجتمع الدولي الذي بات يعترض على تجاوز سلطة الاحتلال لصلاحياتها المحددة وفقا للقانون الدولي واتفاقيات جنيف ويعرض أيضا مصالح تلك الدول للخطر في العراق ولذلك سيكون في أولى مهام هذه الحكومة هو توقيع اتفاقية أمنية وعسكرية بين أمريكا والعراق تتيح للقوات الأمريكية البقاء على الأراضي العراقية لعدة سنين وتمنحها حق التدخل عسكريا في فرض الأمر الواقع على العراقيين فيما تكون هذه الاتفاقية ملزمة لأي حكومة منتخبة في المرحلة اللاحقة وفقا لما جاء في المادة الثامنة والخمسون من قانون إدارة الدولة العراقية المفروض على الشعب العراقي والذي احتاجت سلطة الاحتلال إلى تأجير بعض الفضائيات العربية لتسويقه محليا بعد أن تم رفضه من قبل الشارع العراقي والمرجعيات الدينية والقوى السياسية ثم يأتي دور خصخصة القطاع النفطي والصناعات الحكومية والطاقة الكهربائية وباقي القطاعات الخدمية الأخرى والتحول إلى اقتصاد السوق. ولذلك فإن المرحلة المقبلة التي أنيط بالدكتور أياد علاوي تنفيذ مهمتها ستشهد أكثر مما هي عليه الآن هيمنة المخابرات الأمريكية عبر سفارة أمريكا في العراق على مجمل القرار العراقي والسياسة العراقية محليا وخارجيا وهي مرحلة لن تكون بأفضل من المرحلة السابقة التي تميزت بالدور الذي انتهجه صدام حسين بعد سرقته للدولة وهيمنته على قرار ومقدرات البلاد والتي أوصلها إلى هذا المنحدر الخطير والمستقبل المظلم وفق المنظور الحالي لبواطن الأمور وظواهرها على حد سواء كما ستشهد المرحلة المقبلة حالة عدم استقرار سياسي وتدهور أمني واقتصادي واتساع رقعة الفقر وتفشي الأمراض وهذا ما ترغب به أمريكا لتعزيز بقائها في العراق أطول فترة ممكنة ومن ثم استمرارها في استنزاف موارده وطاقاته. كما أن هذا التدخل قد بدا واضحا وضوح الشمس في رابعة النهار في هذا الاختيار وكذلك اختيار رئيس وليس مجلس رئاسة وتأجيل انتخاب جمعية وطنية انتقالية إلى ما بعد تشكيل الحكومة في مخالفة صريحة للفقرة ألف من المادة الثالثة والعشرون من ما سمي بقانون إدارة الدولة العراقية وكذلك الفقرة ألف من المادة السابعة والعشرون من نفس القانون والفقرة ألف من المادة السابعة والثلاثون والمادة التاسعة والثلاثون. إن تغييب الشعب العراقي وقواه الوطنية والنخب المؤثرة في المجتمع عن صياغة سمات المرحلة الانتقالية المتمثلة بالدستور المؤقت وتحديد شكل النظام القادم والمساهمة في بناء مؤسساته الدستورية واختيار الأشخاص المؤهلين وطنيا وكفويا وعدم اعتماد مبدأ التعددية الاقتصادية سيؤدي إلى حالة عدم الاستقرار الداخلي وبروز مقاومة وطنية منظمة ومؤدلجة على المدى القريب والبعيد بل قد تأخذ المقاومة شكلا آخر بانضمام أوساط وفئات سياسية واجتماعية من التي سرق جهادها وأغمط حقها واقتطفت ثمرة دماء شهدائها في تحقيق مشروع طالما جاهدت ضده وستتبع أسلوبا آخر في المقاومة وهو ما سيقود في نهاية المطاف إلى نقطة البداية التي انطلقت منها تلك الفئات لمحاربة الطاغية صدام حسين ونهجه في حكم العراق حيث اعتبرت تهمة عمالته لأمريكا وتغليبه مصالحها على مصالح شعبه الذي أعمل فيه سيف البغي والقتل والتشريد منطلقا لنضالها الدءوب ولن يحول المستوى الذي أوصل له صدام حسين البعض إلى تسويغ احتلال بلدهم على أيدي أعتى قوة شر في العالم مفضلين عدم البقاء تحت نير ظلمه وقمعه وطغيانه رغم يقينهم المطلق بأن أمريكا هي هي لا تنظر إلا لمصالحها ومصالحها فقط لن يحول دون الوصول إلى ما أشرنا إليه سابقا. النرويج 3/5/2004 |