إساءة محكومة وأخرى حاكمة 

 

نــــــــــــــــــــزار حيدر

 

   لحسن حظ سجناء أبو غريب ، أنهم تعرضوا لسوء المعاملة على يد رعايا بلد ، للسلطة الرابعة فيه دور مفصلي يهلك ملوكا ويستخلف آخرين ، لتثار لصالحهم كل هذه الضجة السياسية والإعلامية ، إثر تسريب صور التعذيب النفسي والجسدي الذي تعرضوا له على يد عدد من عناصر الجيش الاميركي .

   ولحسن حظهم كذلك ، أنهم تعرضوا للإهانة في موسم التنافس الانتخابي الرئاسي الاميركي ، لتتحول قضيتهم إلى مادة انتخابية دسمة ، ينفخ في نارها قوم ، ويطفؤها آخرون .

   ليحمدوا ربهم ، إذن ، أنهم عذبوا على يد أناس يتربص بهم الإعلام ، وليشكروا الله تعالى ، لأنهم  وقعوا بيد عناصر يعتذر رئيسهم بالنيابة عنهم إذا أخطأوا ، ويوبخهم ، وقد يصدر ضدهم أحكاما قضائية ، بسبب ارتكابهم جريمة .

   فلو كانوا قد تعرضوا لمثل ذلك ، وأكثر ، على يد ازلام نظام الطاغية الذليل صدام حسين البائد ، أو أي من الأنظمة العربية ، لذهبوا مع الريح ، من دون أن يحس بهم أحدا .

   ففي اللحظة التي كان العالم يشاهد فيها تلك الصور البشعة التي تسربت من معتقلات سجن أبو غريب في العاصمة العراقية بغداد ، كان آلاف ، وربما ملايين آخرون ، يطعمون وجبات طازجة من اشد أنواع التعذيب النفسي والجسدي في المئات من سجون ومعتقلات أنظمة البلاد العربية والإسلامية ، ولكن ، ولسوء حظهم ، من دون أن يسمع أحد صراخهم وعويلهم أثناء وجبات التعذيب ، أو يصغي إلى أنينهم الهادئ المتسرب من حناجرهم المتعبة بعد الانتهاء من تلك الوجبات القاسية ، التي يموت تحت طائلها الكثير ممن لا تسعفهم أجسادهم النحيفة تحمل آلام العذاب والتعذيب .

   وفي الأثناء كذلك ، تتعرض آلاف النساء الطاهرات العفيفات الشريفات ، لاعتداءات جنسية على يد وحوش وأزلام هذه الأنظمة ، التي هبت جميعها ، هبة رجل واحد ، لتستنكر ما حصل في (أبو غريب) متجاهلة حقيقة أن في كل بلد عربي و(إسلامي) العشرات من (أبو غريب) تشهد صورا أبشع مما يشهده أبو غريب بغداد ، ومنذ عشرات السنين .

   فارق واحد فقط بين الصورتين ، فبينما تتسرب فضائع بغداد ، يظل الإعلام المأجور يتستر على فضائح العواصم العربية الأخرى .

   الجريمة بشعة ، لا شك في ذلك ، والصدمة كبيرة ، لا أحد ينكر ذلك ، فقد عرت تلك الصور، ثقافة جندي الاحتلال الاميركي الذي يقول عنه رئيسه جورج بوش ، انه ذهب إلى العراق لمساعدة شعبه لإقامة النظام الديمقراطي .

   كما كشفت جانبا من حضارة الغرب الذي يتشدق بإيمانه بحقوق الإنسان وكرامته ودفاعه عن الحرية والديمقراطية .

   إنها وصمة عار في جبين الإنسانية وحضارة الغرب على وجه التحديد ، لذلك اهتز لها العالم فاضطر الرئيس بوش للاعتذار ، أو هكذا فهم من كلامه ، كما ارتجت لها أركان البيت الأبيض وقبة الكونغرس وأضلاع البنتاغون الخمسة ، فتسابق المسؤولون الاميركان لرمي مسؤولية ما حصل على الآخر ، كل  لتبرئة نفسه وجهازه وجنوده ، بطريقة أو بأخرى ، حتى انتهى المطاف بوزير الدفاع رونالد رامسفيلد الذي لم يجد بدا ، وهو يدلي بشهادته أمام اللجنة الخاصة التي شكلها الكونغرس للتحقيق في الفضيحة ، من تحمل المسؤولية والاعتراف بالذنب .

   ولكن .....

   هل سمعنا يوما ، أن حاكما عربيا إرتجف له جفن ، بسبب تعرض مواطن للمعاملة السيئة على يد خزنة سجونه ؟ .

   وهل سمعنا يوما ، أن زعيما عربيا إهتز له شارب ، بسبب حالة انتهاك شرف تعرضت لها مواطنة على يد جلاد في إحدى زنزاناته التي امتلأت بها البلاد ؟ .

   وهل سمعنا يوما ، أن حاكما عربيا إعتذر لشعبه بسبب معاملة سيئة تعرض لها سجناء ؟ .

   وهل سمعنا يوما ، بأن زعيما عربيا وعد مواطنيه بتوبيخ جلاد ، ارتكب جريمة ضد سجين عن طريق (الخطأ) مثلا ؟ .

   وهل سمعنا يوما ، أن حاكما عربيا أقال وزيرا أو مديرا عاما أو مسؤولا في مصلحة السجون ، لأنه لم ينتبه إلى ما يجري في السجون والمعتقلات من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ؟ .

   أم سمعنا بأن زعيما عربيا مارس التعذيب والقتل وكي وجوه ضحاياه بالمكواة بيديه الملطختين بدماء الأبرياء ، كما فعل الطاغية الذليل صدام حسين مع المئات من ضحاياه ، منهم الشهيد الصدر الأول ؟ .

   أم سمعنا بأن زعيما عربيا يبصق بوجه أسيره ، لأنه قال بيتا من الشعر هجا فيه حزبه وعصابته ، كما فعل (القائد المؤسس) ميشيل عفلق بالشهيد السيد حسن الشيرازي ، عندما زاره مرة في سجنه ؟ .

   أم سمعنا بأن زعيما عربيا يمنح الجلادين أنواط الشجاعة وأوسمة الشرف ، بما يتناسب وحجم الجرائم التي يرتكبها ضد ضحاياه في السجون والمعتقلات ، كما كان شأن المجرم ناظم كزار ؟ .

   أم سمعنا بحملات تنظيف السجون ، ليس من الأوساخ قطعا ، وإنما من نزلائها كلما امتلأت بهم ، كما كان يفعل ابن الطاغية الذليل قصي الذي كان يصدر أوامره بقتل من في السجن من المعتقلين ، كلما زار سجنا ورآه ممتلئا ، فكان عدد ضحاياه في كل وجبة إعدام جماعية ، يصل في بعض الأحيان ، إلى أكثر من ألف معتقل وسجين ؟ .

   أم سمعنا بأن زعيما عربيا لم يسعفه الوقت لاعتقال الناس قبل إعدامهم ، فأمر بدفنهم أحياء في مقابر جماعية ، تم حتى الآن الكشف عن أكثر من (600) ألف ضحية في مختلف مناطق العراق ؟ .

   أم سمعنا بأن زعيما عربيا أراد أن ينتقم من الأهالي ، ويختبر سلاحه الفتاك في نفس الوقت ، فأمر برش مدينتهم بالسلاح الكيمياوي ، ليقتل ويجرح ويصيب بعاهات مستديمة ويشرد أكثر من (150) ألف من أهلها ، تلك هي مدينة حلبجة ؟ .

   أم سمعنا بأن حاكما عربيا يفتخر بإبنه الذي أطلق يده ليعبث بأعراض الناس صباح مساء ، تحميه سلطة أبوه وعصابات القتلة المجرمين الجاهزين في أية لحظة ، للانقضاض على فريسة الابن المدلل ، لإحضارها عنوة ، أو قتلها إذا أبدت مقاومة ، ذلك هو عدي ابن الطاغية الذليل ؟ .

   أم سمعنا بان زعيما (قوميا) غزا جارته (الشرقية) ، فاعتدى على النساء العربيات ، فانتهك شرفهن وتجاوز على عفتهن ، ثم قتلهن ودفنهن في مقابر جماعية ، من دون أن يحس به أحدا ؟ .

   أم سمعنا بان هذا الزعيم (العروبي) غزا جارته الأخرى (الجنوبية) ، فاغتصب النساء واخذ الرجال أسرى ، غيبهم في طوامير السجون ثم قتلهم وأخفى أثرهم ، وظل طوال الوقت ينكر الحقيقة ، إلى أن أسقط نظامه ، وعثر عليه ، متخفيا كالوحش الذليل ، في بالوعة ؟ .

   أم ... أم ... أم ...

   أف لهذا الزمن التعيس الذي يحتج على جريمة ويبررأخرى ، ويستهجن إساءة ويستحسن أخرى ، ويوظف خطأ ويسكت عن آخر .

   لم كل هذه الازدواجية في المعايير و....الشخصية ؟ .

   أوليس الظلم واحد ، وكل لا يتجزأ ؟ أم أن هنالك ظلم قبيح ، وآخر حسن ؟ .

   أف لهذه الازدواجية التي ترى القذى في عيون الآخرين ولا ترى الجذع في عيونها ؟ وترى الليرة المسروقة في بطن (غوار) ــ وهو هنا المواطن العربي المغلوب على أمره ــ ولا ترى الملايين المسروقة في بطون الحكام وعوائلهم وزبانيتهم ؟ .

   لقد أثبتت أزمة الصور بأننا أسرى الإعلام ، وليس أسرى الحقيقة ، فما يسربه الإعلام يشغل بالنا ، فنبكي عليه أو نضحك منه ، أما صراخ المواطن ، وآلام الضحايا المغيبين في طوامير السجون المظلمة ، أو الرعايا المسحوقين ظلما وعدوانا ، فلا نعير لهم أية أهمية ، أما إذا اقتضت الضرورة والمصلحة القومية العليا ، فنتهمهم ونكذبهم ولا نصدق ما يقولون ، فنشيع مثلا ، أنهم عملاء لصالح قوى أجنبية ، أو يعملون لصالح أجهزة مخابرات خارجية ، لا يعرف أحدا عنوانها فربما يكون في المريخ أو فوق القمر ، لا ادري .

   أما إذا تزامن التسريب الإعلامي مع صرة من المال يجود بها الحاكم ، فنهمله والحجة جاهزة (إنها قصة مختلقة ، وصور مركبة بإخراج فني محكم) .

   الإعلام العربي من جانبه تلاقف الصور تلاقف بني أمية للخلافة بعد مقتل الخليفة الثاني ، والتي شبهها شيخهم الأعمى (أبو سفيان) بتلاقف الصبية للكرة ، فراح هذا الشيطان الأخرس يعيد ويصقل ويكرر ، كما يقول المثل العراقي ، لدرجة التقزز والاشمئزاز ، أصابت الحياء في مقتل .

   ترى ، أين هذا الإعلام من ملايين الصور المماثلة التي تشهدها يوميا سجون الأنظمة العربية ؟ .

   وأين كان على مدى (35) عاما ، عندما واصل النظام الديكتاتوري الشمولي البائد سياسات القتل والاغتصاب والتعذيب والثرم والتذويب بالأسيد لضحاياه ، ومن مختلف شرائح المجتمع العراقي ، وغير ذلك ؟ .

   لو لم يكن هذا الإعلام ، ليخون شرف المهنة ، فيبادر إلى فضح جريمة الطاغوت ، ونقل احتجاج المواطن ، ولا يسكت على جرائم الأنظمة ، ويصطف مع مصالح الشعوب ، رافضا هبات الحاكم التي يقدمها له  لقطع لسانه ، لما آلت الأمور إلى ما نراه اليوم من أنظمة ديكتاتورية وأمية وفقر واستبداد وعنف وإرهاب وسحق منظم لحقوق الإنسان ومصادرة دائمة لحرية المواطن وتجاوز على كرامته وإنسانيته ، وأخيرا احتلال أجنبي .

   والآن ...

   أغلب الظن ، فان الرئيس الاميركي بوش لم يصدر أوامره للقوات الاميركية في العراق لتمارس كل هذه الفضائح ضد العراقيين السجناء ، ومع ذلك فانه اعتذر على ما فعلوا ، أما في بلادنا فلا يصدق أحدا بان جريمة من هذا النوع ترتكب من دون أن يكون الحاكم قد أصدر الامر بنفسه ، للجلاد الذي ينفذ بلا نقاش تحت شعار (أوامر) ، ومع ذلك لا يعتذر الحاكم لأحد إذا ما تم الكشف عنها .

   فكم هو جميل أن يتعلم زعماءنا من الرئيس بوش ، فيعتذروا إذا تسربت فضائحهم للإعلام ، أو أزكمت روائحها العفنة ، أنوف الملأ .

   ما أحلى أن يتعلموا كيف يعتذرون لشعوبهم عندما يرتكب رعاياهم جرائم إرهابية فضيعة ضد الشعوب الأخرى ، كتلك التي يرتكبها الإرهابيون القادمون من خلف الحدود في العراق .

   ما أحلى أن يتعلم الإعلام العربي من زميله الاميركي ، فيلاحق الجريمة التي يرتكبها الحاكم ، ولا يسكت عن الفضيحة إذا مارسها ابن الحاكم ، ويتابع الباطل في عقر داره ، بلا كلل أو ملل أو خوف أو طمع .

   كم نتمنى أن يكون العراق الجديد ، على الأقل ، مكشوفا أمام السلطة الرابعة ، ليس فيه مناطق معتمة ، لا يسمح للإعلام بالوصول إليها ، حتى لا يدبر أمر بليل ، ولا ترتكب جريمة ، ولا يقع خطأ ، ولا تمارس فضائح ، ولا يسرق مال عام ، ولا تشيع الفاحشة السياسية والرشاوى والمحسوبية وانتهاك حقوق الإنسان وسحق كرامته .

   إذ ، لو تيقن المسؤول انه مراقب من أجهزة السلطة الرابعة ، فلا يحدث نفسه بخطأ أو سرقة أو تجاوز على احد ، من جانب ، وحتى يتعلم الحاكم كيف يعتذر إذا أخطا ، ويتعلم الوزير كيف يستقيل إذا اكتشف فضائح في وزارته وهو نائم على أذنيه أو مشغول عن موظفيه ، ويعاقب شرطيا إذا ظلم مواطنا بلا ذنب ، ليطمئن الناس على أرواحهم وأموالهم وحقوقهم وأعراضهم وكرامتهم .

   أخيرا ، فلقد صدمت وأنا استمع إلى الرئيس بوش ، وهو يقدم اعتذاره إلى ملك الأردن عبد الله الثاني في حديقة البيت الأبيض ، بسبب فضيحة صور أبو غريب (العراقي) ، إذ ما الداعي لان يعتذر له ؟ .

   كان من الأجدر أن يعتذرا معا إلى العراقيين ، بوش بسبب جرائم جنوده ضد سجناء أبو غريب ، والملك عبد الله بسبب جرائم رعايا بلاده من الإرهابيين ضد المواطنين العراقيين الأبرياء الذين استشهدوا بالعمليات الإرهابية ، التي ثبت أن مواطنين أردنيين يقفون وراءها .

   أم أن الرئيس بوش أراد أن يقول للعالم ، والعراقيين على وجه التحديد ، بأنه قرر تسليم ملف العراق إلى الأردن ، ومن وراءه أجهزة معروفة في إدارته تتخذ من الأردن قاعدة لعملها ونشاطها في المنطقة ، وهي التي قالت عنها مرة تقارير موثقة بأن الملك وأبوه يتقاضون رواتبها بشكل منظم ، ومنذ أمد ليس بالقصير ؟ .

   ألغز يبحث عن حل ؟ . أم فهمه واستوعبه العراقيون ؟ .