لجنة الحقيقة والمصالحة


أُنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا بموجب قانون تعزيز الوحدة والمصالحة الوطنية رقم 34 للعام 1995. وكانت تتمتع بصلاحيات واسعة واستثنائية قياساً "بلجان الحقيقة" التي شُكِّلت للنظر في الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان في الدول الأخرى. والقانون الذي عكس التوازن السياسي والسلطوي الدقيق الذي كان قائماً في مرحلة الانتقال بالبلاد من حكم الأقلية البيضاء (الفصل العنصري) في العام 1994، زوَّد اللجنة بـ :

  • صلاحيات التحقيق والاستدعاء؛
  • صلاحيات واسعة للتحقيق في أنماط انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها الموظفون الرسميون وأعضاء المنظمات المعارضة خلال فترة 34 عاماً؛
  • صلاحية إصدار توصيات، من ضمنها دفع تعويضات إلى ضحايا الانتهاكات.
  • والصلاحية شبه القضائية في منح العفو، في ظروف معينة، لمرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان.

والقانون الذي اعتُمد في عهد حكومة الوحدة الوطنية، التي ضمت أعضاءً من الحكومة السابقة، نوقش بصورة مكثفة في الحكومة والبرلمان الوطني وبين المنظمات غير الحكومية. ويعود أساس القرار بإعطاء صلاحية منح العفو إلى المفاوضات السياسية الصعبة التي أدت إلى الاتفاق على دستور مؤقت في العام 1993 وإجراء انتخابات يشارك فيها الجميع في العام 1994. وخشي أعضاء الحكومة في حينه، وربما أعضاء المنظمات المعارضة، من إمكانية إجراء ملاحقات جنائية وتحمل تبعة مدنية عن الجرائم التي ارتُكبت باسم الفصل العنصري أو باسم معارضته. وخلال المفاوضات، قاومت أحزاب المعارضة الضغط الذي مارسته الحكومة لإصدار عفو شامل. وانعكست التسوية التي تم التوصل إليها في حاشية ملحقة بالدستور المؤقت، أُشير إليها بعبارة ما بعد الديباجة، ذكرت بأنه سيصدر عفو عن الجرائم ذات الدوافع السياسية وبأن التشريعات المستقبلية ستضع المعايير والإجراءات اللازمة لتنظيم العملية. وعلى هذا الأساس، سنت الحكومة الجديدة في عهد الرئيس نلسون مانديلا قانوناً لإنشاء لجنة تحقيق متعددة المهام وتتمتع بصلاحيات منح عفو.

وخلال الصياغة، كانت هناك مخاوف من أن تؤدي المساومات التي تجري على مستوى الحكومة إلى إصدار قرار بأن هيئة التحقيق المقترحة لا تستطيع النظر في طلبات العفو إلا خلف أبواب موصدة. لكن بموازاة الضغط الذي مورس داخل الحكومة جرى نقاش علني في البرلمان وعمليات كسب تأييد مكثف مارستها المنظمات غير الحكومية. وكان المحصلة النهائية إدراج نص في الفقرة 20 من قانون تعزيز الوحدة والمصالحة الوطنية للعام 1995 يفيد أنه حيث يعترف المذنب في طلب مقدم للحصول على عفو بارتكاب "انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان" يجب أن تكون الجلسة علنية. ويترتب إبلاغ الضحية أو أحد أقربائه بتاريخ الجلسة ومكانها ويحق له "الإدلاء بشهادته أو تقديم أدلة أو أي شيء يؤخذ بعين الاعتبار". وينبغي على مقدم الطلب "أن يكشف جميع الحقائق ذات الصلة كاملة" وأن يثبت بأن الفعل الذي يسعى إلى الحصول على عفو عنه "كان فعلاً مرتبطاً بهدف سياسي وارتُكب في سياق النـزاعات التي نشبت في الماضي".

وكان يحتمل أن تكون النتيجة قاسية لجهة حقوق الضحايا، لأن مقدم الطلب الذي يحصل على العفو سيتمتع بحماية دائمة من أية تبعة جنائية أو مدنية بالنسبة للجرم الذي أقر بارتكابه. ولم يشترط القانون أن يبدي الجاني ندمه أو يقدم تعويضات شخصية إلى الناجي أو عائلته. وطعن أقارب بعض النشطاء البارزين المناهضين للفصل العنصري والذين كانوا ضحايا لوحشية الشرطة في هذه النصوص أمام المحكمة الدستورية. وفي حين أن المحكمة أقرت بأن النصوص أثَّرت على الحقوق الأساسية التي يحميها الدستور الجديد، إلا أنها قضت بأن الجزء التالي للديباجة حدَّ فعلياً من تلك الحقوق وأنه ينبغي على الضحايا أن يأملوا في برنامج حكومي أوسع للتعويضات في مرحلة ما بعد الفصل العنصري للحصول على تعويض. وبوجيز العبارة، كان موازنة بين "المصلحة الوطنية" المتصورة وبين مطالب الضحايا. والزمن وحده كفيل بأن ينبئنا بما إذا كانت ثمار "الكشف الكامل" الناجمة عن عملية العفو، والذي طبقته لجنة العفو التابعة للجنة الحقيقة والمصالحة (انظر أدناه)، والمصالحة التي افتُرض أنه سيحققها، ستلبي احتياجات الضحايا ومطالبهم والالتزامات الدولية المترتبة على البلاد في مجال حقوق الإنسان.

وفي عهد دولة الفصل العنصري، واجه ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، بمن فيهم ضحايا التعذيب، وأقرباؤهم إنكاراً من المسؤولين على مدى سنوات لحدوث الانتهاكات. وبكل بساطة تم إنكار الأدلة على الممارسة واسعة الانتشار والروتينية للتعذيب وسوء المعاملة والتي جمعها العاملون في مجالي الصحة والقانون ومنظمات مراقبة حقوق الإنسان. وتجاهلت المحاكم معظم أقوال الضحايا الذين قُدِّموا للمحاكمة بعد أشهر من الاعتقال غالباً بمعزل عن العالم الخارجي حول المعاملة التي لقوها على أيدي أفراد الشرطة الأمنية. وفي أفضل الأحوال، قد يحصل الضحايا على تسوية خارج ساحة المحكمة في دعوى مدنية، لكن مع نفي الشرطة لأية مسؤولية. وفي النهاية أتاحت لجنة الحقيقة والمصالحة والجلسات العلنية التي عقدتها بشكل خاص إحدى لجانها الفرعية الثلاث، وهي اللجنة المعنية بانتهاكات حقوق الإنسان، الفرصة للناجين أو أقربائهم لكي يصفوا علناً تجاربهم المؤلمة.

الجلسات
عقدت اللجنة المعنية بانتهاكات حقوق الإنسان عدداً من الجلسات العلنية في شتى أنحاء البلاد للتحقيق في مزاعم الضحايا والتوصل إلى نتائج حولها. وأتاحت هذه الجلسات لبعض الناجين أو لأفراد عائلاتهم فرصة لوصف ما حدث لهم وإبلاغ اللجنة بما يأملون أن يحققه عملها بشأن قضيتهم. وعُقدت الجلسات في مراكز حضرية رئيسية وبلدات صغيرة ومناطق ريفية، وحضرها أبناء المجتمعات المحلية. وجرى بث الجلسات، التي غالباً ما كانت مشحونة بالانفعالات والمشاعر العاطفية وتشوبها أحياناً تعقيدات قانونية تُعزى إلى الأحكام الصادرة عن المحاكم والتي تمنع ذكر أسماء الجناة المزعومين من دون إخطارهم مسبقاً جرى بثها على شاشات التلفزيون وعبر أثير الإذاعة على مستوى البلاد ونقلتها وسائل الإعلام المكتوبة على نطاق واسع.

وكان من ضمن الشهادات العديدة التي استُمع إليها، شهادة غلاديس نتسيزاكالو من بلدة نوبورت الواقعة في كارو الشمالية، التي أبلغت اللجنة المعنية بانتهاكات حقوق الإنسان أن ابنها سيفيوو نتسيزاكالو البالغ من العمر 15 عاماً أصيب بمرض عقلي عقب اعتقاله وتعذيبه في الثمانينيات. وقد حُرمت من رؤيته مدة وصلت إلى ثلاثة أشهر. وقالت في شهادتها إنه عندما سُمح لها في النهاية بمقابلته في مركز الشرطة،

"[وجدته] وحيداً في الزنزانة. وكانت كلا يديه وساقيه مكبلة. وعندما نظرت إليه كأم، أدركت أنه أصيب باختلال عقلي. وعندما رآني، أجهش بالبكاء. وأحسست أن ابني قد تغير. ولما سألته، قال لي إنهم ظلوا يعتدون عليه بالضرب … ولهذا السبب أصبح مختلاً عقلياً. وكانوا يأخذون كيساً – كيساً مبللاً – ثم يغطونه به. ويضعونه في صندوق [سيارة]، ويقتادونه إلى مكان لا يعرفه، ثم … ينهالون عليه بالضرب … والآن لا يستطيع أن يفعل أي شيء بمفرده."

وخلال فترة الثمانية عشر شهراً التي عُقدت خلالها هذه الجلسات العلنية، روى مئات الشهود حكايات تفطر القلب حول التعذيب وسوء المعاملة اللذين مارستهما الشرطة والموظفون الآخرون في دولة التفرقة العنصرية. وكانت هناك بعض الروايات أيضاً حول التعذيب وسوء المعاملة اللذين مارستها التنظيمات المعارضة، بمن فيها المؤتمر الوطني الأفريقي، في المنفى في المعسكرات التي كان تسيطر عليها خارج جنوب أفريقيا. ورأت لجنة الحقيقة والمصالحة أن هذه الجلسات حيوية لتحقيق أحد أهدافها القانونية – "إعادة الكرامة الإنسانية والمدنية لهؤلاء الضحايا بمنحهم فرصة لرواية حكاياتهم حول الانتهاكات التي كانوا ضحاياها" كذلك ذكرت "أنهم أماطوا اللثام عن مدى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وجعلوا من المستحيل على أبناء جنوب أفريقيا أن ينكروا من جديد حدوث هذه الانتهاكات فعلاً".

وفي مجتمع منقسم على نفسه بشدة وتجاهل فيه العديد من المستفيدين من نظام الفصل العنصري الانتهاكات واسعة النطاق والمنهجية لحقوق الإنسان، كانت الشهادات التي أدلى بها الجناة والتي تقشعر لها الأبدان هي التي خرقت جدار الإنكار. وخلصت اللجنة إلى أنه : "لدى مراجعة جهودها التي استهدفت كشف النقاب عن الحقيقة الأعمق التي تقف وراء الانتهاكات التي ارتُكبت في عهد الفصل العنصري، تقر بصراحة بأن جزءاً كبيراً من نجاحها يُعزى إلى حقيقة أن أعداداً كبيرة من أعضاء قوات الأمن اغتنموا إمكانية حصولهم على العفو مقابل كشف الحقيقة كاملة." كما أنها أقرت بأن ما دفع هؤلاء الموظفين الأمنيين إلى الكلام كان مقدار المعلومات التي كشفها أحدهم وهو يوجين دي كوك" الذي خالف ميثاق الصمت" وكان هذا الرئيس السابق لوحدة سرية تابعة للشرطة مقرها في فلاكبلاس يُحاكم في محكمة بريتوريا العليا بتهم متعددة بالقتل وجرائم أخرى. وقد قرر الاستفادة من أحكام قانون العام 1995، فقدم طلباً للعفو من سجن سي – ماكس ذي الإجراءات الأمنية القصوى في بريتوريا حيث كان يقضي عدة أحكام بالسجن المؤبد. وهددت الجلسات المتعلقة بطلبه الطويل بفضح دور الآخرين في الجرائم التي ارتكبها. وكان الخوف من احتمال مقاضاتهم أحد الأسباب التي حدت بأعضاء آخرين في الشرطة الأمنية إلى تقديم طلبات للحصول على العفو. ولم يشعر الجناة من قطاعات أخرى، مثل الجيش، بأنهم مهددون على نحو مماثل، فلم يتقدموا بطلبات للحصول على العفو، وكان غيابهم واضحاً.

حالات العفو
تلقت لجنة الحقيقة والمصالحة ما يربو على 7000 طلب للعفو، أغلبيتها من سجناء يقضون عقوبات بالسجن. وكانت لجنة أخرى من اللجان الفرعية التابعة للجنة الحقيقة والمصالحة – وهي لجنة العفو المستقلة ذاتياً، والتي ترأسها قاض في المحكمة العليا – مسؤولة عن النظر في هذه الطلبات والبت فيها. وجرى البت في العديد منها على أساس الأوراق المقدمة، من دون عقد جلسة. لكن في 1000 حالة على الأقل، تم التوصل إلى قرارات حول الطلبات عقب عقد جلسات علنية أمام لجنة العفو. ومن بينها حوالي 50 حالة تتعلق بمقدمي طلبات كشفوا بأنهم هم أو أفراداً آخرين في الشرطة استخدموا التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة الشديدة ضد المعتقلين أو ضد أفراد اختطفوهم وقتلوهم فيما بعد.

ويشير سجل الجلسات إلى أنه في عدد من الحالات، كان الناجون من التعذيب أو أقرباؤهم أو ممثلوهم القانونيون حاضرين للطعن في الروايات التي أدلى بها مقدمو الطلبات. وفي أغلبية الحالات الخمسين، منحت لجنة العفو عفواً على أساس أن مقدم الطلب التزم بشروط الفقرة 20 من القانون، حيث أماط اللثام "بالكامل عن جميع الحقائق ذات الصلة؛" وحيث إن الفعل الذي كشفه "مرتبط بهدف سياسي وارتُكب في سياق النـزاعات الماضية،" وقد ارتكبه أو أصدر أمراً بارتكابه أو خطط له موظف في الدولة يتصرف في سياق مهامه وضمنها، أو عضو في منظمة سياسية معروفة أو حركة تحرير أو مناصر لها لتحقيق أهدافها.

سعى جيرهاردوس جوهانيز نيوودت، الذي كان أحد الأفراد الأسوأ سمعة في الشعبة الأمنية للشرطة في بورت إليزابث، لطلب العفو بشأن عدد م القضايا الشهيرة، ومن ضمنها الاعتداء على الناشط السياسي مخوزلي جاك في أغسطس/آب 1985. وزعم جيرهاردوس جوهانيز نيوودت في شهادته أنه بموجب أحكام قانون الطوارئ الرسمي المعمول به في حينه، أُجبر في سبيل "المصلحة الوطنية" وتعرض للضغط من أعلى السلطات السياسية لتهدئة "الاضطرابات". وتضمن ذلك اعتقال مخوزلي جاك واستجوابه في محاولة لكسر مقاطعة المستهلكين للشركات المحلية. وزعم جبرهاردوس جوهانيز نيوودت أنه عندما أثبت المعتقل أنه "عنيد للغاية"، أمسك بسوط بلاستيكي أسود وجلده عدة جلدات على جسمه وساقيه … وكانت طريقة لإضعاف مقاومته. وذكر أنه استفاد من أنظمة الطوارئ التي "منحته حماية واسعة … من المقاضاة والقضايا المدنية" : وقال إنه إذا نشأت قضية ضده أو ضد أعضاء آخرين في الشعبة الأمنية، "كنا نحاول التستر عليها أياً تكن القضية لضمان عدم وصولها إلى المحكمة".

بيد أن اعترافاته التي صيغت بعبارات متأنية، فُنِّدت بالكامل خلال الجلسة العلنية التي عُقدت في سبتمبر/أيلول 1997 للاستماع إلى مخوزلي جاك ومحاميه. وتحدى المحامي جيرهاردوس جوهانيز نيوودت، زاعماً أنه لم يعتدِ على المعتقل فقط، بل إنه قام بمساعدة رجال شرطة آخرين بممارسة أسلوب التعذيب "المعروف بتعذيب الهليكوبتر" ضده.

ونفى جيرهاردوس جونانيز نوودت هذا الأمر. واستطاع مخوزلي جاك الذي حضر الجلسة أن يواجهه :
"سأتلو ما جاء في إقرار مشفوع بالقسم كان أساساً للمطالبات المدنية التي … قامت (الشرطة) بتسويتها على أساس المعلومات الواردة في هذه الوثيقة...

"أخرج الصول (ضابط الصف) كوتزي منشفة وربطها بشكل مرتب حول كل واحد من معصميّ ووضع أصفاد اليدين فوق المنشفة. وشد الأصفاد بإحكام. وأُمرت بأن أجلس على الأرض وأن أضع ذراعيّ المكبلتين بالأصفاد فوق ساقيّ. ثم أُدخلت عصا تحت ركبتيّ وفوق ساعديّ، حيث تم تثبيتي في وضع انحناء دائم. ودخل نيوودت الغرفة … عندئذ رفعني كلا الرجلين بواسطة العصا وعلقاني بين طاولتين…

"وتعرض نحو 60 مقدم طلب آخر، شكلوا أساساً للقضية المدنية، لهذه المعاملة. وقد شارك هو (نيوودت) في تعذيب 80 بالمائة منهم … ولن أخوض في هذا الحديث المؤلم، لأن الجميع يعرفون ما هو هذا الشيء [تعذيب الهليكوبتر]… وأجد غرابة في عدم تذكره هذا الأمر، فقد كان في حينه يتبجح حول كيفية اعتدائه على جميع الأشخاص الآخرين … كيف … يمكن لنيوودت أن ينكر هذا، في الحقيقة لا أستطيع أن أفهم ذلك. كيف يأمل أن يحصل على عفو؟ إن هذا المنبر المخصص للعفو يجب أن يستخدم بالاحترام الذي يستحقه ولا يجوز تحويله إلى مهزلة تهدف إلى إهانة العائلات … أنا وعائلتي وعائلات العديد من الأشخاص الآخرين الذين لن تتاح لهم فرصة المجيء والتكلم أمام هذه [اللجنة]…"

ورد محامي جيرهاردوس جوهانيز نيوودت قائلاً إنه من غير المحتمل أبداً أن يكون الأخير قد علَّق على مسؤوليته عن الاعتداءات "أمام شخص سيتمكن يوماً ما في نهاية المطاف من أن يدلي بشهادته ضده". فرد مخوزلي جاك : لم يعتقد (نيوودت) قط إنه سيواجه يوماً هؤلاء الأشخاص هنا وهو جالس هنا … ولم يكن يخشى دعاوى المعتقلين". وفي الواقع، كانت الغطرسة التي مارستها الشعبة الأمنية أمداً طويلاً، والتي انعكست في شهادة جيرهاردوس جوهانيز نيوودت، هي التي أفشلت طلبه في النهاية. فقد رفضت لجنة العفو طلبه على أساس أنه لم يدلِ "بمعلومات كاملة" وأن الاعتداء المحدود الذي اعترف به لم يكن عملاً مرتبطاً بهدف سياسي.

وفي قضية أخرى، حظي قرار لجنة العفو بمنح بالصفح عن شرطي سابق في الشعبة الأمنية في دربن هو كريستو نل بسبب دوره في تعذيب معتقل اسمه يونس شيخ في يوليو/تموز 1985 حظي بدعم الضحية نفسه. وأدلى كريستو نل بشهادة قال فيها إنه أمسك بالمعتقل بينما كان رجال شرطة آخرون يعذبونه. وقال إن أحد ممارسي التعذيب كان طبيباً "أدار" في الحقيقة تنفيذ طريقة التعذيب (الشرجي) "غير المعتادة بالمرة" التي مورست ضد يونس شيخ. وأبلغ الضحية، الذي احتُجز في الحبس الانفرادي طوال 11 شهراً، لجنة  العفو أنه يتفق بصورة جوهرية مع الرواية التي أعطاها مقدم الطلب. وقال "لقد أصغيت … وأحسست كما لو أنني أعيش من جديد ذكرى مؤلمة." وتابع قائلاً بأريحية، إن اعترافات كريستو نل قد أتاحت فرصة (ليونس) وعائلته لطي صفحة" فترة كان فيها أيضاً والده وثلاثة من أشقائه معتقلين وأُصيبت والدته بنوبة قلبية وتوفيت. وهو نفسه كان يختزن كماً هائلاً من الغضب بعد الإفراج عنه. ورأى أن مقدم الطلب أبدى بعض الشجاعة في المثول أمام اللجنة في الوقت الذي تخلف فيه "العديد من رجال الشرطة الآخرين" عن القيام بذلك.

وعلى عكس ذلك، كشفت الجلسة المتعلقة بطلب جفري بنـزيين، وهو عضو سابق في الشعبة الأمنية للشرطة عن تناقض شديد في موقف ضحاياه السابقين، الذي شككوا في النهاية بأنه كشف بالكامل المعلومات ذات الصلة بالدفاع عن مطالبته بالصفح عنه. ومن ناحية شكلت أقوال جفري بنـزيين أمام لجنة العفو اعترافاً صريحاً بشكل مذهل بالممارسة الروتينية للتعذيب ضد أي شخص يشتبه في قيامه بأنشطة "إرهابية" نيابة عن المؤتمر الوطني الأفريقي في أواخر الثمانينيات. وأكدت شهادته وشهادة الشاهد المؤيد له اللواء المتقاعد جوهانيز غريبناو، وهو ضابط كبير سابق في الشعبة الأمنية للشرطة، أن سلوكه كان يحظى بالتأييد على أرفع مستوى سياسي. وفي إحدى مراحل الجلسة، وبناء  على طلب طوني بنغيني أحد ضحاياه السابقين، مثَّل جفري بنـزيين على متطوع، أمام اللجنة والجمهور وآلات التصوير التلفزيونية أسلوبه الشهير في التعذيب بالاختناق المعروف باسم "الكيس المبلل" والذي اعتبره المراقبون شكلاً من أشكال "التشهير العلني به". ورغم هذا فإن استجوابه المتواصل من جانب ضحاياه في الجلسة غالباً ما فضح تقاعسه عن الاعتراف بالأشكال الأخرى من سوء المعاملة وكشف أسماء رجال شرطة آخرين شاركوا في جلسات التعذيب.

وعند التوصل إلى قرارها بشأن طلب جفري بنـزيين، لم تفكر لجنة العفو، كما فعلت بشكل مألوف في أحكام أخرى، في مدى إدلاء مقدم الطلب باعتراف كامل. ومع ذلك منحته عفواً عن الاعتداء بهدف التسبب بأذى جسدي شديد لسبعة معتقلين ذُكرت أسماؤهم. وعقلت اللجنة ببساطة على الأدلة المقدمة لها قائلة إن "الجرائم التي يطلب مقدم الطلب الصفح عنه بشأنها ارتُكبت خلال النـزاعات التي جرت في الماضي بين الدولة وحركة التحرير ونجمت عنها".

وفي قضية ستانزا بوباب الذي أجرت عائلته تحقيقاً نشطاً في "اختفائه" الذي حدث في يونيو/حزيران 1988، قبلت اللجنة، بشيء من عدم الارتياح، مزاعم 10 رجال سابقين في الشعبة الأمنية، بينهم رئيس الشعبة في حينه، بأنهم قتلوه بصورة غير قانونية (نتيجة صعقه بالصدمات الكهربائية) وتخلصوا من الجثة واختلقوا رواية متقنة لإخفاء معالم الجريمة. وفي تأمل مقلق حول قضية "التناسب"، لاحظت اللجنة أن

"الأساليب التي استُخدمت في استجواب الراحل كانت بغيضة وغير قانونية. لكننا بعد دراسة متأنية، نرى أن استخدامهم لجهاز الصعق بالصدمات الكهربائية في الاستجواب لم يكن غير متناسب مع الهدف الذي كانوا ينشدونه. وبالنسبة إليهم كان استخدام أجهزة الصعق الكهربائية في الاستجواب ممارسة شائعة … وتصوروا أنها وسيلة فعالة وملائمة لإجبار الضحية على التعاون معهم ولم يتوقعوا أو يشكوا في أن تترتب على استخدامها عواقب مميتة."

وأكملت لجنة العفو جلساتها وأصدرت أحكامها النهائية بحلول يونيو/حزيران 2001 ولم يبق أمام لجنة الحقيقة والمصالحة إلا إعداد تقريرها النهائي، الذي سيُدرج الوقائع التي توصلت إليها لجنة العفو في التقرير السابق للجنة الذي نُشر في أكتوبر/تشرين الأول 1998، ويتضمن توصيات إضافية حول تقديم تعويضات إلى ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان الذين تعرَّفت عليهم لجنة العفو. ولم يكن ذلك التقرير الذي ينبغي رفعه إلى رئيس جنوب أفريقيا قد أُعد في مطلع العام 2002.

الخلاصة
وضع عمل لجنة الحقيقة والمصالحة حداً لإنكار المسؤولين الرسميين والأحزاب السياسية طوال سنوات حدوث تعذيب منهجي وإفلات ممارسيه من العقاب في عهد الفصل العنصري. كما أنه أتاح للعديد من الضحايا الفرصة للتحدث عن التجارب التي مروا بها في جلسات علنية ومنح البعض فرصة لتحدي ممارسي التعذيب ضده وجهاً لوجه.

لكن لم يكن الجميع مرتاحاً للنتائج التي توصلت إليها اللجنة، وتجسد الثمن الذي دفعوه باسم المصلحة الوطنية المتصورة في تقاعس الحكومة عن تقديم تعويضات بسرعة وأريحية إلى الضحايا الذين ذُكرت أسماؤهم. وعلاوة على ذلك، لم تُبدِ الحكومة وسواها من الأحزاب السياسية في البرلمان اهتماماً يُذكر بدراسة توصيات اللجنة التي وردت في تقريرها الصادر في العام 1998، لمنع تكرار ضروب مشابهة لانتهاكات حقوق الإنسان التي ساعدت اللجنة على فضحها وتعريتها.

ومنذ العام 1996، عندما بدأت اللجنة عملها، تغير المزاج السياسي في البلاد بشكل كبير. وانتقل الاهتمام من حقوق الضحايا ومزاعمهم حول التعذيب وسواه من انتهاكات حقوق الإنسان في عهد الفصل العنصري إلى حقوق ضحايا جرائم العنف التي بلغت مستويات باتت تسبب قلقاً عاماً متزايداً.

وما زالت جنوب أفريقيا دولة يحدث فيها التعذيب، أساساً في إطار "الحرب على الجريمة". ورغم الإنجازات التي حققها لجنة الحقيقة والمصالحة، إلا أن المبررات التي ساقها ممارسو التعذيب الذين قدموا طلبات للصفح عنهم وقبول لجنة العفو بها بموجب أحكام القانون، قد يَثْبُت أنها تركة خطرة على صعيد مواصلة الحرب ضد التعذيب.