المصالحة الوطنية ضرورة حضارية ترتقي بشعبنا إلى مستوى الإنسانية |
فائق الياسري لم تكن معاناة الشعب العراقي على أيدي صدام حسين بأقل مما عاناه المسلمون الأوائل في صدر الإسلام بدءا من منقذ البشرية ورسول الرحمة والمحبة والخير محمد بن عبد الله (ص) والتي جرت على أيدي كفار قريش الذين أوغلوا في تعذيب المسلمين وإيذائهم حتى قال الرسول (ص) ما أوذي نبي كما أوذيت ثم مالوا عليه وعلى أصحابه البررة فأخرجوهم من ديارهم بغير حق خائفين مترقبين باحثين عن مأمن لهم في الأرض يسع أجسادهم المنهكة ويتسع لدعوتهم السامية في الانطلاق نحو هدفها في تحرير الإنسان من عبودية المخلوق وتعبيده لله الواحد الأحد. لم يكتف كفار قريش بذلك بل عدو على أولئك النفر الرسالي يلوونهم على القتال فيقتلون منهم ويقتلون حتى سالت بينهم أنهار من الدماء وأحدثت بينهم جروحا عميقة لم يندمل بعضها رغم تقادم الزمن وفتح مكة وهزيمة الطغاة وخضوعهم مرغمين لسلطان الإسلام ودولته المقبلة والتي بفضل سمو مبادئها وارتقاء قيمها وعلو همة قادتها وتمتعهم بأخلاقية عالية مكنتهم من مداواة الجروح وتناسي الماضي الشنيع والانتقال إلى بناء مجتمع إسلامي يسوده الوئام والخير والمحبة. لقد كان شعار الرسول الكريم حينئذ وبعد أن تمكن من أسر رأس الكفر والنفاق وحربته الطاغية أبو سفيان صخر بن حرب وابنه معاوية أن أطلق للعفو عنانا فنادى مناديه أن من دخل بيت أبو سفيان كان آمنا وهو الصادق المصدق الذي طمع في أمانه وعفوه كل مناوئيه بما فيهم حبشي قاتل حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء الذي قال عنه الرسول سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره فنهاه فقتله وبذلك مهد للمصالحة الشاملة بين القاتل والمقتول بين الضحية والجلاد لأنه بعبقريته الفذة وتسديد الخالق له أدرك أن نزيف الدم سيعقبه نزيف مثله وأن العنف سيجر إلى عنف آخر مما سيشغله عن نشر دعوته ويعيقه عن تحقيق هدفه في صقل الإنسان في بوتقة الإسلام المنقذة للبشرية من الشرك والضلال والفساد القيمي والروحي ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا*وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا *وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا*ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا). فما كان منه صلوات الله وسلامه عليه عندئذ إلا أن خطب في تلك الجموع المنكسرة المهزومة من قريش قائلا يا معشر قريش ما ترون إني فاعل بكم فقالوا بصوت مرتفع وصل صداه إلى عنان السماء إنك أخ كريم وابن أخ كريم فقال اذهبوا فانتم الطلقاء دون أن يطلب منهم فدية أو مقابل إلا أن يؤمنوا بالله العزيز القهار ويتعاهدوا على فعل الخيرات وينبذوا ما كانوا عليه من أفعال تتنافى مع القيم الجديدة قيم العدل والتسامح واحترام الكرامة الإنسانية وأن يعيشوا متمتعين في ظل الدولة الإسلامية الجديدة بكامل حقوقهم المدنية والسياسية حتى أضحى بعدها معاوية الطليق بن الطليق كاتبا للوحي وخليفة للمسلمين فيما بعد وإن كان رغما عنهم. وتمر السنون وتتوالى الأزمان ويعيد التاريخ نفسه وتتكرر المأساة في عراقنا الحبيب ويتسلط عليه طاغية أحمق فاق في طغيانه ممارسات كل الطغاة الذين تعاقبوا على حكم العراق فقتل من قتل وشرد من شرد وسلب من سلب وغزا من غزا بغيا بغير حق مستعينا بزمرة جاهلة قذرة متعطشة للدماء لما يدخل الإيمان إلى قلبها بعد فعاثت كما عاث سيدها فسادا في البلاد والعباد حتى أسلمته إلى قوى العدوان والظلام التي لا ترى إلا بعين واحدة وولت هاربة تجر أذيال العار الأبدي. لقد انطلق الوطنيون الرساليون في مناهضتهم للطاغية صدام حسين ليس منازعة في سلطان أو من أجل الاستحواذ على سدة الحكم وتولي مقاليد الأمور ولكن من أجل الإصلاح في أمة رسول الله إتباعا لهدف سبط النبي الكريم الإمام الشهيد الحسين بن علي (ع) حينما أعلن على الملأ ( إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله (ص) أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر) الذي كان يفعله طاغية زمانه يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. ومن هنا يتبين أن هدف الحسين عليه السلام من تلك النهضة التاريخية ليس إراقة الدماء بين المسلمين وإنما حاول جاهدا أن يتجنب ذلك بإقناع الناس بالالتفاف حول دعوته للتغير السلمي والإصلاح في كيان الدولة والمجتمع وإعادته إلى طريق الإسلام الصحيح إلا أن أعداءه أبوا إلا أن يروه وعصابته قتلى مضرجين بدمائهم وأن يرو أهله سبايا إلى وكر الطغاة بدمشق الشؤم وأن يروا البلاد الإسلامية تنتقل من ثورة إلى ثورة ومن عنف إلى عنف حتى يومنا هذا. نعم كان هدف الوطنيين العراقيين تصحيح مسار الحكم وتطوير الدولة ونقلها إلى مصاف الدول المتحضرة التي ترعى مواطنيها بكل تفاني وإخلاص وتهئ لهم كل مستلزمات الأمن والرفاه وضمان الحقوق باعتبارها تكليف وظيفي ومسؤولية خدمية من قبل الأمة الولية على نفسها وصاحبة القول الفصل في وضع المنهج الذي تسير عليه ووفقه دفة الأمور في البلد والتي لها وحدها حق اختيار من توليه هذه المسؤولية ومن ثم يأتي إصلاح حال الشعب الممتحن ونقله إلى المستوى الإنساني والحضاري الذي يليق بمكانته التاريخية والحضارية التي تراكمت عبر الدهور والعصور والتي لازالت شواهدها قائمة إلى يومنا هذا بكل زهو وفخر وعنفوان مما رتب على كل مؤمن مخلص غيور محب للخير أن يرقى بمستوى هذا الشعب إلى مستوى مبادئ الرسالة الإسلامية التي آمن بها شعبنا وقدم في سبيلها آلاف الضحايا والقرابين والجياع والمشردين في بقاع الأرض الواسعة وأن ينطلق به كما انطلق نبي الإسلام الكريم محمد بن عبد الله (ص) في منهجه الإنساني النبيل بإتباع سياسة العفو عما سلف المبنية على تجاوز المنطق القبلي القائم على الثأر والثأر المضاد وغلق الطريق أمام التفكير بالعودة إلى منطق حرب البسوس وداحس والغبراء ولكي نفتح الباب على مصراعيه نحو الارتقاء بعملية البناء الحضاري للوطن والأمة إلى مستواهما اللائق بهما فإن ما حدث للعراق شئ عظيم وخطب جلل يستدعي من كل الطاقات الوطنية الاستنفار من اجل المشاركة في عملية البناء الحقيقي للوطن والوقوف بوجه العناصر الوصولية والنفعية من التسلل إلى أجهزة الدولة الحساسة ومواقعها المهمة والذي يعيد إلى الأذهان كيفية تسلل ذلك النفر الضال الذي أودى بالعراق وقدمه على طبق من ذهب للمحتلين. من خلال هذه النظرة وفي هذا السياق كانت دعوتنا للمصالحة الوطنية الشاملة والتغيير السلمي لمنهج وبنى مؤسسات النظام البائد والتي أطلقناها عبر صحيفة الزمان ومواقع الإنترنيت أواخر عام 2002 تجنبا لوقوع العدوان على العراق وتدمير بناه التحتية وانهيار دولته العتيدة ووضعه تحت نير الاحتلال الأجنبي الذي جاء بتحريض من مختلقي الأكاذيب ومروجي الأباطيل الذين وظفوا جهدهم التام لسرقة الدولة العراقية والاستحواذ على مقدراتها كما سرقها قبلهم الصعلوك صدام حسين الذي لم يستمع إلى نداء الضمير الوطني ولم يستجب إلى تلك النداءات المخلصة التي تعالت صيحاتها في المنطقة حينئذ والداعية إلى تحقيق التغيير ورأب الصدع الوطني وتوحيد القوى في اتجاه التصدي للعدوان ومنها دعوة الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله لإجراء مصالحة وطنية عراقية تهدف إلى إنهاء كل مآسي ومحن العراق وإسقاط كل الذرائع التي تستخدمها الإدارة الأمريكية، وعلى رأسها حيازة أسلحة الدمار الشامل وتهديد دول الجوار والقمع الداخلي. وفي السياق ذاته تأتي اليوم دعوة وتبني الأستاذ مسعود البارزاني لمؤتمر المصالحة الوطنية المنعقد في أربيل يومي 26-27 آذار لسد الذرائع أمام استمرار الوجود العسكري لقوات الاحتلال وهي بحد ذاتها دعوة جديرة بالمساندة الشعبية والوطنية الشاملة وجهد جبار يحتاج إلى توجيهه في مساره الصحيح الذي لا بد منه نحو إتمام عملية التحرير والبناء بمشاركة كافة الأطياف الشعبية الواسعة وإقامة النظام السياسي الوطني الذي يحفظ لكل ذي حق حقه. إن شعبنا ليس بدعا من الشعوب الماضية والحاضرة والتي مرت بأكثر مما مر به شعبنا العراقي تحت حكم طغاة جبابرة أمثال هتلر وموسوليني واستالين وتشاوشيسكو وأوكستو بينوشيه ونظام جنوب أفريقيا العنصرية أو أنظمة الحكم الشيوعية الجائرة في دول الاتحاد السوفيتي السابق هذه الشعوب التي تجاوزت محنتها وحققت الوئام والسلام في المجتمع وتمكنت من توجيه كل الطاقات باتجاه البناء والإصلاح على كافة المستويات.حيث نعتقد أن شعبنا وخاصة في هذا الظرف المرحلي الخطير بحاجة إلى تجاوز عقدة الماضي والتوجه إلى تأسيس وطن حر موحد يعيش في أفيائه كافة أبناء الشعب بمختلف أعراقهم ومذاهبهم وتوجهاتهم السياسية ومتبنياتهم الفكرية بحرية تامة ضمن علاقات عامة سليمة حميمة مرنة مبنية على أسس الكرامة والفضيلة والمحبة والتآخي والتي تشعرهم وكأنهم جسد واحد ما أن يشتكي منه عضو حتى يسعفه كل عضو في هذا الشعب كل على قدر استطاعته ومؤهلاته النرويج 30/3/2004
|