الإنتهاك الفظيع مصدره إحتكار التشريع

الحقوقي / محمد عـنوز

enoz2002@yahoo.se

يتزايد الحديث خلال هذه الأيام عن التغيير، وضرورة ضمان حقوق الإنسان في العراق، وتحقيق العدالة في المرحلة الإنتقالية بعد الخلاص من الدكتاتورية، ولسنا هنا بصدد تقييم إدوات التغيير وجهاته، لأن هذا الأمر يحتاج إلى مبحث خاص، ولكننا نريد هنا التركيز على، والتذكير بـ ،  مسألة جوهرية تتعلق بفكرة السلطة والإرادة المقررة لنشأتها والمعبرة عنها، من خلال الإشارة إلى الجذور الفكرية والتفسيرات التمريرية والقواعد التي أخذت " شكلاً قانونياً" ، وإعتبرت " مبادئ دستورية " إستند عليها النظام القائم ، والتي كانت السبب، كما نزعم،  في الإنتهاكات الفظيعة التي تعرض لها الشعب العراقي منذ عام 1968 حتى الآن ، بإعتبار هذه الحقبة هي الأشد قسوةَ والأكثر مرارةَ في حياة الشعب العراقي .

فكثيراً ما يجري الحديث عن إنتهاكات حقوق المواطن في العراق، ويتم تحميل النظام مسؤولية ذلك ، وحقاً هو المسؤول ، ولكن من دون أن يتم تحديد الأساس الفكري والقواعد التي إستند عليها النظام وخصوصاً المسوغات الفكرية في الجانب القانوني التي جعلت هذه الإنتهاكات الصارخة مستمرة .

وفإذا كان الأمر يكمن في طبيعة النظام، فأين تتجلى هذه الطبيعة في المجال القانوني؟! وما هي الأفكار القانونية والآليات التي يستند إليها النظام؟! وكيف ممكن قطع الطريق أمام عملية تكرار المأساة ؟! وهل الأمر مضمون بتغيير النظام أم أن الضمان بالتغيير الشامل للنظام والأسس الفكرية التي يعتمدها والآليات التي يستخدمها؟! 

إننا نزعم أن التغيير المطلوب، هو التغيير الشامل لشكل يبدأ في تحديد الأسس الفكرية في المجال القانوني، ونبذ الأسس التي إعتمدها النظام في تمريره لعملية إحنكار السلطة بكافة أشكالها، وهذا التغيير ينبغي أن يقوم على أسس تستند إلى الإرادة الوطنبة العامة، فهي الضمانة الوحيدة لإستقرار المجتمع وتحقيق العدالة، هذه الإرادة التي غيّبيت لعدة عقود، وغيابها كان السبب في سيادة الأفكار التي ساعدت على الوصول إلى هذا المستوى من المعاناة، والتي نعتبرها من دون مبالغة قصة تفوق خيال أكبر قصاصي العصور بما فيهم كتّاب القصص البوليسة، فصور الإنتهاكات شتى وأعدادها لا تعد ولا تحصى، كما إنها لم تكن محدودة وفردية وعفوية، بل شملت كل مناحي الحياة المدنية والعسكرية، الإجتماعية والإقتصادية، الثقافية والعلمية، الفنية والرياضية، ولم يُستثني أحد من العراقيين رجالاً ونساءاً، أطفالاً وشباباً، من العرب والكرد والتركمان والكلدان والأشورين  مسلمين ومسحيين وصابئة ويزيدين ، ولم تكن هذه الإنتهاكات عبارة عن تجاوزات مسؤول في هذا الجهاز السلطوي أو ذاك، أو أخطاء غير محسوبة هنا أو هناك بالإمكان تداركها من خلال تشخيصها، وإعتماد آليات أصولية للحد منها في إطار تشريعات قانونية معينة أو أسس أخلاقية من صميم المجتمع العراقي، أو قيّم دينية معروفة بأساسها الإنساني، إنما هي إنتهاكات منظمة وشاملة ومقننه وتصدر من أعلى هيئة متسلطة على مقدرات البلاد، وهذا التقدير لن يلغ مسؤولية الأجهزة الأخرى المنفذة لقرارات السلطة .

نحن نزعم بأن الكثير مما كُتب بشأن الكارثة التي حلّت في البلاد وتعرض لها العباد، لم يتوقف عند السبب الجوهري الذي أنتج هذه النتائج الفظيعة، وفر الإمكانية الفعلية لممارستها وإستمرارها، والذي جعل هذه الإنتهاكات تأخذ شكل إجراءات وقرارات " قانونية " ، الأمر الذي زرع الوهم عند الكثيرين وعلى الأخص عتد غير المدركين للحقائق الأصولية لعملية التشريع القانوني، بالإرتباط مع ضعف الوعي القانوني بشكل عام، حيث أن مثل هذا الحال يعطي إنطباعاً ظاهرياً، بأن ما يحصل من إنتهاكات فهي تطبيقات " للقانون "، وكل دول العالم تطبق قوانينها والنظام العراقي لا يشذ عنها في هذا المجال !!! كما يدعي المتسلطون والذين في بوقهم ينفخون، من دون تفكير لوقت قصير وبجهد قليل ويجيبوا على سؤالنا الساذج والبسيط !!! قانون من هذا الذي يبيح مثل هذه الإنتهاكات وينزع أرواح مئات الآلاف، ويزج الألوف الأخرى في أتون حروب لا معنى لها، ويدفع الملايين خارج البلاد، ويذهب أكثر من مليون من رجال المستقبل ضحية اليورانيوم والحصار، ويبيح المناورة حول مصير وسيادة البلاد، ولا يترك أبنائه  يعبرون عن إرادتهم بأمان، ويجعل التسلط والقهر هو الأداة، ويختزل البلاد بشخص الدكتاتور من دون حياء، و.. و..؟؟؟

في هذا السياق تبرز أهمية التأكيد على المعنى الموضوعي للنص القانوني لا الشكلي، في فهم القانون وإحترامه من قبل المجموع، هذا المعني الذي يتجلى في كون النص يكون قانون حقاً عندما لايتجاوز حقوق الإنسان الطبيعية وحقوق المواطن الأساسية ، وعندما تصدره سلطة شرعية، مستمدة شرعيتها من الشعب من دون إكراه .

أما المعنى الشكلي للقانون فإنه يتجلى في قرارات وإجراءات النظام، والذي لا يعني سوى نص مكتوب صادر من " سلطة " مستبدة، إستبدادها لوحده بيفقدها الطابع الشرعي، ناهيك عن كونها الفئة المتحكمة هي غاصبة اللسلطة، وبذات الوقت يفقد القانون معناه الموضوعي جراء ذلك، والأمثلة على ما نذهب كثيرة جداً، منها ( قرارات التمييز على أساس الإنتماء السياسي، في الحصول على فرصة عمل أو الدراسة في الجامعات،  في مجال الجيش والشرطة، فرض مناهج لغرض تسويق الأفكار التي تخدم السلطة وإستمراها، وجعل مقرارات الحزب " قانون " ، وإصدار قانون تأطير المجتمع الذي يعني عملياً التبعيث قسراً، وقرار التعريب وتغيير التركيب القومي لسكان المناطق الكردية من خلال التهجير القسري للأكراد إلى المناطق ذات الأغلبية العربية، ونقل العوائل العربية إلى المناطق الكردية من خلال الإغراءات المادية، قرار التجهير بحجة التبعية الإيرانية، قرار الحرب ضد الجارة إيران، قرار إستخدام السلاح الكيمياوي ضد الشعب ــ ضد قوات الأنصار /  البيشمركة ، قصف مدينة حلبجة ، قرار تنفيذ عملية الأنفال ــ وقرار غزو الشقيقة والجارة دولة الكويت، وقرارات الإعدام والتغيّب في السجون، وجدع الأنوف، ولصم الآذان، وقتل النساء . والتفريط بسيادة البلاد، والعبث بالثروات الإقتصادية ، وما نتج عن كل هذا وينتج من الويلات الإجتماعية ) .

لقد تجلت طبيعة النظام وأفكاره التي يستند عليها في مثل هذه  الإجراءات والقرارات التي يصدرها إستناداً على نصوص ما سميّ بـ " الدستور المؤقت " ( فمن المفارقة إن الدستور المؤقت للنظام لايزال دائم منذ 34 عام، والدستور الدائم للنظام الملكي كان نافذاً مدة 33 )، وهنا تلفت النظر بإننا لا نطعن بكل إجراءات وقرارات النظام على أساس إنها غير دستورية أو تتعارض مع الدستور، إنما طعننا يقوم على، تعارضها مع حقوق الطبيعية للإنسان المعروفة قبل صدور الإعلان العالمي في 10 كانون الأول / ديسمبر 1948، إنتهاكها ناموس الإنسانية، خرقها للقواعد القانونية الدولية .

فقد اصبغت هذه السلطة على نفسها صفة الثورية من دون أساس، ومنحت نفسها شرعية أطلقت عليها تسميّة " الشرعية ثورية "، على الرغم من كونها تجاوزت الشعب وإرادته في مختلف المجالات والمراحل .

علماً أن لا خلاف لدينا لو إن الأمر يتوقف عند الحدود الشرعية الثورية الحقيقية، لا بل نحترم شرعية من هذا الطراز لو تم إحترامها من قبل من إستند عليها، فالشرعية الثورية الحقيقة ليست دائمة ولا مطلقة، بل هي مؤقته ونسبية في عرف كل الثوار الحقيقين، وتستمر في فترة إنتقالية محددة لا تتجاوز بضعة سنين، بعدها لا يمكن أن نحتفظ بطابعها الشرعي أو الثوري مهما كلف الأمر أو يقال من تخريجات، فليس من المعقول أو من المقبول أن تكون الثورة خائفة من شعبهاوتتجاوز على حقوقه الأساسية . وكي لا تكون كذلك عليها التسليم لإرادة هذا شعبها، وإلا  لا يمكن ان تبقى ثورة . 

وفي العراق، ومنذ عام 1968 ، لم نكن أمام ثورة، بل كنا أمام غدرة نتائجها يعرفها القاصي والداني طوال 38 عاماً، من هذه النتائج والتي أصبحت أسباب تنتج ، عملية تحّكم إرادة القابظين على السلطة وتغيّب الإرادة الوطنية العامة عن إدارة الحكم وبناء البلاد وحماية الوطن .

علماً أن عملية تغيّب الإرادة الوطنية العامة نزعم إنها أساس مشكلة الحكم في مختلف مراحل الحياة السياسية، وعلى وجه الخصوص منذ عشرينيات القرن الماضي حتى الوقت الحاضر .

فمن باب التذكير أشرنا إلى إجراءات وقرارات النظام بهذه الصيغة العمومية، والتي هي جزء من الإنتهاكات الصارخة، وهناك أشكال وتفاصيل أخرى كثيرة، لسنا بصدد تكرارها، وهي في واقع الحال تجعلنا أمام إنتهاكات تمارس من قبل مختلف المستويات السلطوية وعلى الأخص أعلاها درجة، جراء إحتكار التشريع وعدم إستناده إلى قواعد قانونية ملزمة، وغياب الرقابة الدستورية، بل إن الأمر كان ولايزال متروك لمزاج الهيئة التي تحتكر التشريع بدون وجه حق ورئيسها، هذا المزاج هو الذي سبب الفوضى في القرارات والمراسيم المتناقضة لبعضها البعض، والتي تصدر لإعتبارات سياسية وطائفية أو قومية مخالفة لحقائق المجتمع العراقي وحاجاته الأساسية .

إن شمولية وتنوع أشكال هذه الإنتهاكات وإستمرارها، يكمن بتقديرنا في كون النظام قائم على أساس إغتصاب السلطة، ولغرض إستكمال عملية الإغتصاب، جعل النظام عملية إحتكار التشريع  بيد فئة لا تعبر عن مصالح الشعب، فالممارسة العملية وجروح الشعب تنطق، منذ القبض على السلطة في تموز / يوليو 1968  من قبل مجموعة ( بكر ـ صدام ) في غفلة زمنية، وللأسف الشديد إقترنت بسكته فكرية طال آمدها ولاتزال أثارها في أذهان عدد ليس قليل من العراقيين، حيث منحت هذه الفئة لنفسها وبنفسها في نص المادة  42  من الدستور المؤقت  الذي أصدره " مجلس قيادة الثورة "  بقراره المرقم 792  بتاريخ 16 / 7 / 1970، حق ( إصدار القوانين والقرارات التي لها قوة القانون ) ، من دون الإشارة إلى طبيعة القرارات ومدى إنسجامها مع القوانين النافذة أو ذات الدستور الذي أصدره ذات المجلس .

إن غياب هذه الإشارة على بساطتها في تقدير البعض كما نزعم ، دليل كافي بالنسبة لنا على عدم إحترام مبادىء وقواعد التشريع بشكل عام، وعلى الأخص تدرج القوة القانونية من جهة، وجهة أُخرى المكانة السامية لنصوص الدستور، والذي لايجوز إصدار قانون أو قرار يتعارض مع نصوصه في كل الإحوال، وإذا ما أُريد ذلك، فإن الدول وهيئاتها التشريعية تعمل على تعديل الدستور وفق الأصول لغرض إصدار ما تبتغيه من قوانين، في حين " مجلس قيادة الثورة " يوفر الجهد ويُصدر ما يشاء من دون خوف ووجل، فهو السلطة العليا والمطلقة في آن واحد، ولا قيمة للتشريعات وبالتالي لا ضرورة للإلتزام بها وإحترامها والإنسجام معها.

ونحن هنا إذ نشير إلى الفجوة الكبيرة بين ما منصوص وما هو مُطبق فوق الرؤوس، وأثر ذلك في خلق الأوهام عند بعض العراقيين وأغلبية سكان البلدان العربية والأجنبية، إنما نبتغي من ذلك كشف حقيقة النظام وعبثه في مصير البلاد، فهناك نصوص في " دستور " التظام لاتختلف مع النصوص الموجودة في دساتير البلدان الديمقراطية، إلان الفرق الجوهري بين تلك النصوص و " دستور " النظام هو قوتها القانونية وإحنرامها من قبل الهيئات الحكومية، من جهة ومن جهة أخرى التناقضات بين النصوص جراء فوضى التشريع التي يتحكم فيها الفرد " القائد " الذي يضع في الإعتبار الأول مزاجه ورعباته من دون النظر للأصول والقواعد القانونية النتعارف عليها في غالبية بلدان العالم المتقدم منها والمتأخر .

إن الفرق في القوة القانونية للنصوص لا ينبع من إختلاف طبيعتها فقط، بل الأمر يرتبط أيضاً بشرعية وأهلية الهيئة التشريعية والأسس الفكرية التي تستند عليها هذه الهيئة، فالنظام المتسلط في العراق عمل على تمرير تسلطه من خلال فكرة إرادة " القابظين على السلطة " ، وكدليل على حالة التمرير والسكته الفكرية، تم تأكيد مفهوم إحتكار السلطة السياسية، وعدم إعتماد مبدأ الفصل بين السلطات فيما سميَّ  بورقة " إصلاح النظام القانوني في العراق " ، التي أصدرتها وزارة العدل في أيلول / سبتمبر عام 1975 ، والتي إعتبرها الكثيرون ممارسة ديمقراطية على الرغم من عدم إستنادها على ما هو جامع وشامل من الأسس الفكرية لقطاعات المجتمع وتياراته السياسية، وإقتصارها على ما تضمنه التقرير السياسي للمؤتمر القطري الثامن بإعتباره قانون أعلى من الدستور، وكذلك لم تمس جوهر النظام القانوني، ولم تبدأ أولاً بما هو أساسي في عملية " الإصلاح " ، وهو الدستور، بعد سبع سنوات عجاف من التسلط، جاءت هذه الورقة بمفهوم يعزز تجربة السبع سنوات وعرّفت النظام القانوني بأنه (  مجموعة القواعد والأوضاع القانونية نافذة المفعول في بلد معين وفي زمن معين، فهو إذن نتيجة لإختيارات القيادة السياسية في المجالات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية في ذلك البلد ) ، وبذلك سقط الطابع الشرعي والثوري للسلطة، وتأكد إحتكارها، وخوف " ثوارها " من الشعب، وعدم إحترامها لإرادته، منذ ذلك اليوم ، وتأكيداً لصحة ذلك يأتي إعلان صدام قبوله لقرار مجلس الأمن رقم 1441، رغم رفض " المجلس الوطني " له ، هذا المجلس المعروفة أسس تشكيله وشروط إكتساب عضويته، كدليل جديد على فكرة إحنكار السلطة التي تم إختزالها بمرور الوقت بيد شخص واحد .  

إن هذا المعنى للنظام القانوني، نعتبره هو السبب الأساس الذي وضع السلطة / القيادة السياسية فوق القانون، تفعل ما تشاء من دون حساب، لآنه من الناحية العملية المراد منه تغييب إرادة الشعب ومصالحه في التشريع والتطبيق، ولذلك إصبحنا أمام حالة وصاية لا حالة قيادة كما يحلو لمغتصبي السلطة نعت أنفسهم، فالشعب بنظرهم غير مؤهل لإدارة نفسه بنفسه، وغير قادر على إختيار ممثليه .

وفي حقيقة الأمر، إن هذا المفهوم تم تكريسه لغرض إحتكار السلطة، ومركزتها وعدم إخضاعها لقانون أو دستور، وجعلها غير مقيدة بناموس، وإبقاء النصوص التي تنظم العلاقة بين المواطن والهيئات الحكومية، والتي تحدد حقوقه وواجباته وكذلك مسؤولية السلطة في إحترام هذه الحقوق وصيانة كرامة المواطن في إطارها الشكلي، ضمن " الدستور المؤقت " .

وكان بالإمكان تفهم عملية إحنكار السلطة، وإعتبار قرارات " مجلس قيادة الثورة " لها قوة القانون، لو كان الأمر يتعلق بفترة إنتقالية محددة وقائم على أساس إحترام درجات القوة القانونية للدستور بإعتباره القانون الأسمى ويعد ذلك القانون العادي ثم القرارات الإدارية، إلا أن الأمر كسلوك أساسي تجاوز هذا الحد وكشف طبيعة السلطة عملياً، ودلل على إعتماد نزعة إرادوية قسرية، إلى جانب الخداع والرشوة، وبتعارض صارخ مع القيّم الوطنية والإنسانية ومصالح الشعب والوطن، وحقيقة التعدد القومي والديني والسياسي للمجتمع، وبالتالي بناء نظام سياسي تغيب فيه إرادة المواطن ومصالح الوطن من الناحية العملية، وتكون إرادة " القابضين على السلطة " هي المقررة .

إن حديثنا عن الإنتهاكات لا يشمل تلك الحقوق التي يتطلع إليها الشعب العراقي كبقية شعوب المعمورة ، والمجسدة في الأعراف والمواثيق والعهود الدولية ، إنما نركز على تلك الحقوق المنصوص عليها شكلياً في مختلف وثائق النظام وقراراته أو فيما يسمّى " الدستور المؤقت "، والتي يتبجح النظام بها، كالمساواة أمام " القانون " ، وتحريم التعذيب، ومنع التمييز، وكون الشعب هومصدر السلطات  

كما أن حجم الإنتهاكات التي أصبحت لا تصدق لكثرتها وفضاعتها وتجاوزها حد الفصل والعزل من الوظائف، والتضيق على حرية الرأي، والزج في السجون أو لصق التهم، جعلت أمن المواطن وحياته مرهونه ولا يعرف متى يفقدها وكيف وأين ؟! وبواسطة أي جهاز؟! البوليس السري أم العلني، المخابرات العسكرية أم المدنية، في إطار محكمة عادية أم إستثنائية، بقرار أم بقانون، على يد أجهزة القضاء أم أجهزة الحزب المنتشرة كالوباء، فاللغة السائدة هي أما التغيّب في السجون أو الموت بطريقة لم تدركها من قبل كل الفنون أو الخضوع للسلطان الحاكم بأمره الذي لا يحده دستور أو خلق أو عرف او دين لآنه هو القانون .

لقد عاش الشعب العراقي ، ولا يزال تجربة قاسية ومريرة مع سلطة صدام بكل قومياته وقطاعاته أديانه المتعددة وأطيافه السياسية المتنوعة ، فلا سبيل أمامنا بعد تجربة من هذا الطراز، سوى العمل لتحقيق الخلاص الوطني وبناء حياة تضمن حقوق الإنسان وتصونها.

إن عملية بناء مثل هذه الحياة لابد أن نسعى إليها من خلال ممارسة عملية واعية وشاملة منذ الآن، مسؤول عنها ومشارك فيها كل مواطن عراقي يعرف حقوقه من جهة، ويدرك حجم وخطورة الإنتهاكات التي تعرض لها على يد النظام الحاكم من جهة أخرى، ويعمل على تدريب النفس وتنمية القدرات بجدية ونشاط منظم يجسد إدراكنا للحقوق ويضمن آلية إكتسابها والدفاع عنها، إلى جانب أهمية تصعيد دورنا كأفراد وتجمعات في التصدي حسب الإمكانيات، لكافة ممارسات السلطة القمعية، التي لا تفقه شيء سوى التسلط، إلى درجة أن الحاجات الإجتماعية والإقتصادية والثقافية للمجتمع لا يتم تلبيتها إلا بصغية المنجز/ المكرمة من القيادة السياسية وفي إتجاه خدمة تسلطها وليس كواجب على الحكومة تؤديه في سياق إدارتها للمجتمع في ضوء قدرات وحجم ثروات المجتمع ذاته، وإفضع ما يمارسه المتسلطون في هذا السياق، جعل الحصة التمونية أداة إذعان، في ظل أسؤ الظروف التي يعيشها شعبنا العراقي، هي ظروف الحصار الجائر بعد عاصفة الصحراء، وفي ذات السياق، المنجز/ المكرمة، يأتي قرار العفو الأخير، من دون الكشف أعداد المعتقلين السياسين الذي لم يُطلق سراحهم لحد الآن،وعدد السجون السرّية، ومصير المغيّبين من أبناء المهجرين قسراً .

إن هذا القرار لم يكن الأول من نوعه، وهو إستمرار لكوميديا النظام المُرّة، حيث إستند على نتائج " الإنتخابات " والتي تجاوزت 99,9 %، ولا نعرف كيف يُخّرج لنا النظام إدعائه طيلة عشرات السنين بعدم وجود معتقلين سياسين في سجونه المنتشرة في كافة إنحاء العراق؟! وكيف يفسر لنا حكمة مساواة المجرم العادي مع المناضل في سبيل حياة حرة كريمة؟!     .

إن جوهر التسلط في العراق، يتجلى في إحتكار السلطات بيد واحدة ـ حزب، عشيرة، عائلة، فرد ـ وهذا الإحتكار هو المسبب الأساس عن عملية العبث بقدرات البلاد البشرية والمادية، لأن من ابرز نتائجه المباشرة تغيّب إرادة الشعب، أي تغيب الإرادة الوطنية العامة عن التشريع، وبالتالي إنتهاك حق المواطن في المشاركة في إدارة البلاد وينائها والدفاع عنها .

فقد مرت أكثر من ثمانية عقود على قيام الحكم الوطني حسب تعبير المؤرخين، إلا أن الإرادة الوطنية العامة لم تجد لها فرصة التعبير عن نفسها في مختلف المراحل وأنظمة الحكم، وعلى وجه الخصوص في ظل النظام الحالي، كما أخذ مسار إحكام القبضة على كافة مجالات النشاط السياسي من الناحية العملية، والإنفراد في السلطة مداه الأقصى لينتج لنا دكتاتورية بشعة بكل المقاييس، إلى درجة أصبح فيها حق الحياة للإنسان معرض للخطر لأبسط الأسباب أو من خلال وشاية لا نصيب لها من الصحة، ومما لم تشهده  يلدان العالم تاريخياً ولم يُعتد به قانونياً، أن النظام يعتمد النوايا ـ نية الفرد ـ القائمة على تقديرات أجهزة النظام الحزبية والمخابراتية دليل كافي لزج المواطنين في السجون ومواجهة أحكام الإعدام في أغلب الأحيان .

وفي هذا السياق فإن إدراك مفهوم القانون والإرادة التي يعبرعنها، هو الأساس الذي يكشف لنا أسباب المأسي التي يعيشها الشعب، والتي سوف تستمر إذا لم يتم التمسك بالمفاهيم على حقيقتها العلمية والعملية القائمة على أسس إنسانية، وتتم إعادة حق التشريع لممثلي الشعب الحقيقيين الذين يتم  إختيارهم بإرادة حرة وبشكل مباشر، ويذلك نكون قد ضمنا العلاج الشافي لمشكلة الحكم، ووضعنا الأساس الفكري والقانوني لحياة ديمقراطية سليمة، من خلال العمل بمبدأ فصل السلطات، وآليات دولة القانون المعبر عن الإرادة الوطنية العامة .