خسارة على أرض الحضارة |
الحقوقي / محمد عـنوز Enoz2002@yahoo.seيُعرف العراق ببلاد ما بين النهرين، وعلى ضفافهما كانت أول حضارة إنسانية كما يقول التاريخ، وسكانه خطوا أول الخطوط الكتابية، وشرعّوا أول الشرائع القانونية، وإلى جانب موقعه الجغرافي، غدت مكانة العراق متميزة في تاريخ البشرية بشكل عام، وفي روح الأنسان الرافديني بشكل خاص، حيث جعلته إنسان يحمل مسؤولية مضاعفة تتجاوز حدود الإستمرار في الحياة إلى الحفاظ وتمثل المعاني الحضارية والأنسانية في تاريخ العراق وأبنائه، وقد تجسد الكثير من ذلك في إمتلاك العراقيين القدرة على الإستمرار والإبداع ومقاومة الموجات الشريرة التي تصيب البلاد، وكان أخرها تسلط صدام وزبانيته على رقاب العباد. وقد تنبه ملك بابل، حمورابي، لمخاطر الشر والطغيان وذوي الرؤوس السود، كما تشير شريعته التي نعتز بها جيل بعد جيل، كمؤشر لحياة تقوم على وجود القانون وأهميته في تنظيم الحياة وتحقيق العدالة ... وقد قال السيد فييرا دي ميلو الممثل الخاص للأمين العام للأمم االمتحدة عن العراق، وهو يقدم تقرير الأمم المتحدة في جلسة مجلس الأمن رقم 4791 في يوم الثلاثاء 22 تموز / يوليو 2003 ، (( في الأسابيع الأخيرة راعنا، أنا وزملائي، إستقراء تاريخ بلد عطيم ، حيث وصف هيرودوتس بابل ، بتاريخ يعود إلى عام 4500 قبل الميلاد، وقد بلغ عمرها آلاف السنين، بأنها لا نظير لها في روعة جمالها، وكان إسهام العراق في فهمنا للقانون وتقديره، وللعلم والفن ـ بل إسهامه في الحضارة الإنسانية ـ إسهاماً هائلاً . وينبغي لهذا الأمر أن يكون ، بل هو كذلك ، مصدر إعتزاز للشعب العراقي ، وهو إعتزاز يُؤذَى اليوم أذى بليغاً. فالعراق ليس مجرد نظام قمعي أصبح في الماضي ، وليس مجرد دولة منبوذة ، وهوليس مجرد مسرح للصراع والظلم والإساءة . إنه بلد ذو تاريخ منفرد في ترائه، والفظاعة الشديدة التي أتسم بها تاريخه القريب مأساة يجب أن نفكر جميعنا فيها ملياً . والشعب العراقي يستحق ما هو أكثر بكثير مما منحته سنواته الأخيرة )) . هذه هي كلمات أحد ضحايا الإنفجار الذي نفذه الجبناء، وكان بحد ذاته جبان كعمل، وخاطىء كهدف ، بشع كوسيلة، إنه التخريب بعينه، حيث يذهب الأبرياء بمثل هذه الطريقة، إنه إستمرار لقتل العراق وأبانئه مهما كانت الجهة التي قامت به، فهي في كل الأحوال لا تريد مصلحة العراق وخصوصاً إنهاء الإحتلال، إنها جزء لا يتجزأ من الشر والطغيان وذوي الرؤوس السود مهما قيل ويقال . نعم في بلداً من هذا الطراز المعروف أسماً وتاريخاً وحضارةً و .. و.. ، وقع فريسة ، قبل أكثر من ثلاث عقود ونصف ، بيد ذوي الرؤوس السود، فتحكموا بمصير إنسانه وكل كائن حي فيه، كما تحكموا بمصيره من دون أي شعور بالمسؤولية، ولم تكن تصرفاتهم المكشوفة وغير المكشوفة لحد الآن لها علاقة بأي وازع أخلاقي أو ديني أو قانوني، كل شيء من أجل البقاء في السلطة بما في ذلك وسائل التخريب والتدمير وخوض الحروب المجنونة … لا تمييز بين المواطن وغير المواطن، بين الصديق والعدو، وهذا أرث تركته الدكتاتورية بعد إنهيارها وقد يستمر إذا لم ندرك حجم المخاطر القادمة . وفي المحصلة فإن الخسارة التي لا يدفع ثمنها سوى أبناء العراق سوف تتعاظم وتستمر، إذا بقينا في حدود إدراك المخاطر وتقديم الخسائر من دون أن نتدارك بشكل جديّ وبوسائل عملية وعلمية وبجهود مشتركة، فالآفاق لا يمكن أن نتحدث عنها لشدة الغيوم وكثرة الهموم وفقدان أدوات النهوض، وهذه مسؤولية عراقية محضة لا يجوز الهروب منها بذرائع لا تنجي أحد من الطوفان إذا ما تركنا الزمام . إن عملية تفجير مقر بعثة هيئة الأمم في بغداد، بعثة الدفاع عن حق العراقيين بأخذ زمام أمور البلاد، بعثة التعجيل بإنهاء الإحتلال، تأتي في سياق الخسارة المستمرة على أرض الحضارة ، وأقل ما نقول عنها، إنها جريمة بحق شعب العراق وطعنة كبرى لطموحاته في التحرر وإعادة بناء الوطن على أساس الكرامة ببعدها الوطني والإنساني . إن عملية تفجير مقر بعثة الأمم في بغداد، هي عنوان خسة القائمين الذي لم يكتفوا بقتل أبناء العراق بل قتل من يعمل على مساعدته وتفجير كل الطرق والمؤسسات تساعد شعب العراق على تجاوز محنته . إن الذين يريدون الشر بالعراق يكشفهم السلوك قبل أن نصفهم وننعتهم ومنهم من قام بهذا العمل البشع ومن يقف وراءه ،كما إن ضحايا هذه الجريمة هم رجال سلام وعون على طريق الإستقلال الوطنى ، نعم الإستقلال الوطنى الذي مزقته الدكتاتورية من خلال إسستباحتها للوطن وابنائه وثراواته، وفي مقدمة هذه الكوكبة من الضحايا كان السيد فييرا دي ميلو، الشعلة المضيئة في الظلام ، الجذوة المتقدة لتحقيق السلام ، الحماسة الصادقة في العمل لا في الكلام … إنه محامي شعب شريعة حمورابي بعد أن دارت به الأيام … كنت أُتابع تصريحاته وتحركاته ولقاءاته ، فكان الأصرار على حق شعب العراق وقدرته في إدارة البلاد أكثر وضوحاً وجدياً من عدد غير قليل من العراقيين قوى وأحزاب أوافراد وجماعات . لك المجد في بلد المجد يا دي ميلو … لن ينسى كل التواقين للسلام وإعادة إستقلال العراق جهودك وجهود كل العاملين معك … والخزي والعار والشنار لكل المجرمين .
|