عملاً بمقولة النعمان .. نقول ما بالإمكان
المشكلة في مضمون الحكم وليس في شكل الدولة |
الحقوقي / محمد عـنوز
في سياق الدعوة لمناقشة المسودتين المقترحتين لـ " دستور دائم للعراق " والمنشورتين في جريدتكم ، ولكثرة الحديث عن موضوع الحياة الدستورية في العراق ، من قبل ذوي الإختصاص وغيرهم ، وبالإرتباط مع تطلعات شعبنا في بناء حياة دستورية عملية لا شكلية ، تبرز ضرورة وأهمية التدقيق في المفاهيم التي تخص هذا الجانب ، والذي لا يمكن الحديث عنه من دون تقيّم موضوعي لتجربة البلاد الخاصة بذلك وفق أسس قانونية سياسية واضحة بعيدة عن الخلط والتمرير وبالتالي خلق الأوهام . وعلى هذا الأساس تقع على الحقوقيين الحريصين على مستقبل الشعب والوطن مسؤولية كبيرة، وتكون مضاعفة عندما يتعلق الأمر بالمفاهيم القانونية على وجه الخصوص، لذلك وجدنا ضرورة أن نرسل لكم هذه الملاحظات والتي كتبناها في حينها، ولكن لأسباب صحية تأخرنا في إرسالها، حول دراسة الدكتور منذرالفضل التي نشرت في جريدة المؤتمر العدد 290 بتاريخ 2 ـ 8 / 2 / 2002 ، بعـنوان ( النظام الفيدرالي للدولة العراقية .. صيغة مقترحة لتعايش العراقيين ). والتي نعتبرها مدخل لمساهمتنا المتواضعة لمناقشة المسودتين المقترحتين لدستور دائم للعراق والمنشورتين في العدد 305 ، 25 أيار ( مايو) ـ 7 حزيران ( يونيو) ، للدكتور مصطفى البغدادي والدكتور منذر الفضل ، كما أن من أسباب عودتنا لدراسة الدكتور الفضل المذكورة، مقاله المنشور بحلقتين في جريدة المؤتمر ، الحلقة الأولى في العدد 308 بتاريخ 22 ـ 28 / 6 / 2002 ، بعنوان ( شكل دولة القانون ونظام الحكم المدني / الإتحاد الفيدرالي صيغة دستورية لحل القضية الكردية وصيانة الوحدة العراقية ) ، والحلقة الثانية في العدد 309 بتاريخ 29 / 6 / 2002 ، بعنوان ( شكل دولة القانون ونظام الحكم المدني / مطلوب إستفتاء شعبي حول إعادة هيكلة الدولة العراقية ) ، والذي أعاد فيه ذات الأفكار والعبارات مع شيء من الإضافات للدراسة المنشورة في العدد 290 ، إضافة إلى تقيميه لأنظمة الحكم فيالعراق منذ 23 آب / أغسطس 1921 إلى تسلط زمرة بكر ـ صدام في 17 تموز / يوليو 1968 ، الأمر الذي نعتبره شكل من أشكال التمسك بالرأي، في الوقت الذي كنا نتمى أن تتم مراجعته ومعالجة منطلقاته في ضوء المعطيات التاريخية والقانونية ، إضافة إلى عدة موضوعات نشرت في جريدتكم بهذا الخصوص، منها مقال الاستاذ فلك الدين كاكائي والدكتور عباس السكافي في العدد 304 ، وتعقيب الدكتور حسين أبو سعود في العدد 310 . عنوان مساهمتنا أخذناه من قول أبو حنيفة النعمان، الذي إستذكره الدكتور الفضل في دراسته ( عِلمُنا هذا رأي فمَنْ جاءنا بأفضل منه قَبِلناه )، أملين أن تسود هذه الحكمة جميع حواراتنا، لا سيما وقد حفزتنا على كتابة هذا الموضوع، لعلاقته بمشكلة الحكم في العراق، وأفاق تطور الحياة السياسية، وفكرة البديل عن الدكتاتورية الحالية، والطموح لبناء تجربة دستورية حقيقية، الأمر الذي يستوجب مناقشة بعض الافكار والتقديرات التي جاءت بدراسة الدكتور الفضل المذكورة، والتي نزعم إنها بحاجة إلى تدقيق. إذا كان من نافل القول التأكيد على ضرورة الأهتمام من قبل المختصين وغير المختصين بقضايا الدستور وكل ما يتعلق بمجال القانون، فأن من الضروري أن نشير، وقد يتفق معنا الدكتورالفضل، إلى أن الوعي الحقوقي بشكل عام في بلادنا هو في أدني سلّم أشكال الوعي ، فالإهتمام بقضايا القانون وأسسه وتشريعه ونصوصه لا زال دون المستوى المطلوب، ومن هنا أيضاً تتضاعف أكثر فأكثر مسؤولية الحقوقيين العراقيين بمختلف مجالات إختصاصاتهم، وعلى وجه التحديد عند تفسير وتقيّم الوقائع من الناحية القانونية إنطلاقاً من مصادر تشريعها مروراً بأهلية الهيئات التشريعة، وإنسجام ذلك مع الخصائص الوطنية والمواثيق والعهود الدولية، وقبل كل ذلك ، إنسجامها مع الإرادة الوطنية العامة والأسس والحاجات الإنسانية، من دون غموض في الأفكار وتركيب المسوغات ووصف الحالات بما لا تحمله من صفات ، ومن خلال ذلك نتجنب فعلياً حالة خلق الأوهام التي كثيراً ما نجدها، للأسف الشديد عند تحليل الكثير من القضايا القانونية أو السياسية من دون تعليل . ففي الوقت الذي نؤكد على أهمية وضرورة إيجاد شكلاً بديلاً لما كان قائماً كنظام للحكم أو ( صيغة لتعايش العراقيين ) كما يسّميها الدكتور الفضل في مقترحه، وبديلاً عن الدكتاتورية الحالية ، فإن البديل الحقيقي في هذا الإطار لا يمكن أن يكون من حيث الجوهر أقل من النظام الديمقراطي كغاية ، يقوم على الإعتراف بالتعدد القومي والديني والسياسي ، ومن آلية ديمقراطية كوسيلة تمارس الأكثرية دورها وتضمن للأقلية حقوقها ، من خلال إعتماد خيار الشعب وتوفير الأمكانية له كي يحدد هذا شكل الدولة التي يريدها أولاً ــ بسيطة أم مركبة / إتحادية ( فدرالية أو كنفدرالية )، وثانياً نظام الحكم مركزي أو لا مركزي، نظام المحافظات أو المناطق ذات الحكم الذاتي على أساس قومي أو ديني أو طائفي، بعد أن يتم توضيح معنى كل شكل من الناحية القانونية والسياسية، أو أي شكل أخر يقدم كمقترح من طرف أو مجموعة أطراف وطنية، يحقق التعايش ويضمن إحترام كرامة الإنسان وحقوقه وبالأخص حق المشاركة في وضع أسس حياته وأفاق تطورها ورسم سياسة البلد وكيفية حمايته .
نظام الحكم والإرادة الوطنية العامة
لعل من المهم أن نشير هنا بداءةً ، إلى أن مدى جني ثمار الأفكار في هذه الأمور لا ُيكمِنْ بشكل المقترحات ولا بحسن الصيغ والعبارات، إنما بطبيعة وحجم الإرادة المقررة لهذا الشكل أو ذاك، وكيفية التعبير عن هذه الإرادة ، فلا جدوى في أي دراسة تغفل هذا الجانب الهام من قضايا الدستور والتشريع بشكل عام، ودراسة الدكتور الفضل لم تتوقف عند الإرادة المنشأة للسلطة / إنظمة الحكم، وكذلك الإرادة المشرعة للدستور ومختلف القوانين، والإرادة التي قررت وحددت " صيغ التعايش " في مختلف المراحل السابقة والمرحلة الحالية من حياة العراقيين . إن العراقيين خلال أكثر من ثمان عقود من حياتهم السياسية قد عرفوا النظامين الملكي والجمهوري ، وكذلك الدستور الدائم مدة 33 عاماً، والدساتيرالمؤقتة مدة 44 عاماً، ومجالس مختلفة أخذت على عاتقها العملية التشريعية، مثل مجلسيّ الأعيان والأمة 1921 ـ 1958 ، ومجلس السيادة 1958 ـ 1963 ، والمجلس الوطني لقيادة الثورة 1963 ـ 1968 ، وأخير مجلس قيادة الثورة منذ عام 1968، وقد أصدر الأخير قانون أسماه قانون المجلس الوطني، الذي تم تشكيله وفق مقاييس " القابضين على السلطة " ، كما حصل في تعين أعضاء مجلس الأعيان والأمة في العهد الملكي، وأعضاء مجلس السيادة، على الرغم من الإختلاف البيّن بين هذه المجالس من حيث التركيب والتأثير. نحن إذ نؤكد على موضوعة الإرادة المنشئة للدستور والمشرعة للقانون ، نود في ذلك لفت النظر إلى ، وبالتالي الإهتمام بـلُبْ مشكلة الحكم في بلادنا حسب زعمنا، والتي تتركز بغياب الإرادة الوطنية العامة، كسبب أساس في كل الويلات التي وقعت على كاهل الشعب، إضافة إلى إن غيابها سيُفقد البديل وعملية التغيير جدواهما. إن أدركنا لهذه الحقيقة، يحتم وفي ضوء التجارب الملموسة والمشاريع المطروحة، تحديد أسس عملية التغير ومعالم بناء دولة المؤسسات من قبل هيئات مؤهلة تكون موضع إتفاق فصائل المعارضة الوطنية الأساسية، أو على أقل تقدير أغلبها، والتي تحترم إرادة الشعب ولا تصادرها بأية وسيلة كانت ، ولا تجعل من نفسها وصية على البلاد والعباد، فلا معنى للتغيير والبديل يكرر ذات التجاوز على الإرادة الوطنية العامة، وفي هذا الحال لا تتم المعالجة من الأساس، إنما مجرد تبديل شكلي، لا يعني سوى إستمرار ذات المشكلة في الحكم وإدارة البلاد، وبالتالي يجسد إصراراً على إستمرار المأساة . لقد جاء في بداية دراسة الدكتور الفضل العدد / 290 ، ( فتقرر ترشيح الملك فيصل الأول لعرش العراق في 23 آب عام 1921 ، ثم صدر القانون الأساسي للدولة العراقية عام 1925 وأجريت عليه العديد من التعديلات )، من دون أن يتم توضيح وتحديد الجهات التي قررت هذا الترشيح وظروفه وشروطه وعلاقة ذلك في إرادة العراقيين الوطنية العامة، وكذلك كيفية إعداد القانون الأساسي / الدستور، وظروف إقراره، وعلاقته بمعاهدة 1922، وهذه النقاط كما نعتقد هي الأهم عند دراسة الحياة الدستورية في تلك الحقبة الزمنية، وليس شكل النصوص وما تحتويه من معاني قد تكون بعضها شكلية والبعض الآخر عملية . أن مشكلة من الطراز الذي يعيشها العراقيون، على وجه الخصوص، حيث الويلات من كل الألوان والأحجام، كانت ولاتزال من صنع الأنظمة التي تتحكم في مصير البلاد بعيداً عن إرادة الشعب ومصالحه، وبإختصار شديد مع قناعة راسخة نستمدها من تاريخ بلادنا والوثائق الخاصة بكيفية تشكيل المملكة العراقية وصدور القانون الأساسي، نقول بأن للإرادة الأجنبية كان الدور المقرر في ذلك بما فيها صياغة النصوص وتحديد القواعد والأصول، فهل الدكتور الفضل لم يطلع على ذلك إلى درجة يقفز على هذه الحقيقة ؟! ألم تتم صياغة القانون الأساسي بالتدخل المباشر لوزارة المستعمرات البريطانية؟! ألم يتم إقراره بالإكراه ؟! ألم يتغيب عدد كبير من النواب ؟! إن قصة هذا الدستور ليست خافية بل هي مكتوبة وبالإمكان الإطلاع عليها في كتب المؤوخ عبد الرزاق الحسني بالتمام والكمال . ويضيف الدكتور الفضل / العدد 290 ، حيث يقول ( وفي 14 تموز 1958 نجحت مجموعة من العسكرين بالإطاحة بالنظام الملكي ودخل العراق بعدها في دوامة الحكم الشمولي والإنقلابات العسكرية وعدم الإستقرار السياسي وغياب دولة القانون والمؤسسات الدستورية ) . وهذا القول نصفه غامض والنصف الأخر غريب ، فالغموض يكمن بما هو مقصود من عبارة ( غياب دولة القانون والمؤسسات الدستورية ) ، وهل الغياب يشمل فترة الحكم الملكي أم الفترة التي تبدأ من يوم الإطاحة به ؟! فأن كان الغياب يشمل كل الفترات وهذا ما نذهب إليه، فلا خلاف لنا مع هذا التقدير، أما الغرابة تصبح مرارة عندما لا يشمل الغياب الفترة الملكية، ولذلك نتسائل، أي دولة قانون وأية مؤسسات دستورية غابت؟! ألم يحصي الدكتور الفضل على أقل تقدير فترات الأحكام العرفية قبل الدخول في دوامة الحكم الشمولي ؟! وكم مرة تم حل مجلس الأمة ؟! وكيف تتم عملية إكتساب عضوية المجلس ؟! وكم من تشريعات كانت مقيّدة للحريات العامة ؟! وهل الفصل الشكلي للسلطات كان كافياً لقيام دولة القانون ؟! علماً هناك عشرات التساؤلات ممكن ذكرها حول التقديرات التي وردت في دراسة الدكتور الفضل !!! والتي ترد كثيراً منها أوما يشابهها في العديد من صحف المعارضة، خاصة من قبل الكتاب غير الحقوقيين، وفي هذا بعضاً من العذر لهم ! أن تساؤلاتنا لا تذهب إلى جعل الحكم الشمولي أفضل، كما أن رفضه لا يبرر ما ذهب إليه الدكتور الفضل حول تفسيرالفيدرالية متجاوزاً المعنى الحقيقي لها، ومعتبراً إن الحل يكمن فيها، وكأن الحل في شكل الدولة وليس في مضمون نظام الحكم وأساليبه وطبيعة الحاكمين وطريقة وصولهم للسلطة، بمعنى أخر أن الدكتور الفضل يعتقد بأن المشكلة تكمن في شكل الدولة العراقية، فلو كانت فيدرالية أو إذا أصبحت فيدرالية، فالحكم يكون ديمقرطي بشكل أوتوماتيكي، ويبعد تسلط الفرد ويضمن عمل المؤسسات، وهذا تقدير غير سليم، ولا نتفق معه، لسبب بسيط جداً، يستند على أن مضمون الحكم لا يحدده شكل الدولة، من حيث هي بسيطة أم مركبة/ إتحادية، ولا حتى شكل الحكم الشكل جمهورياً كان أم ملكياً . وفي هذا السياق، جميعنا نعرف، بأن الإستبداد والقمع وغيرهما من الإجراءات التعسفية المسلطة على الشعب لم تغيب عن حياة العراقيين، في الشكل الملكي أوالجمهوري للدولة العراقية، ولذلك نؤكد على ضرورة عدم الخلط بين شكل الدولة ومضمون الحكم القائم فيها، وكذلك تجنب المقارنة بين المضامين والممارسات السيئة مع الأسوء منها عند تقيّم الأوضاع العراقية، من الناحية القانونية ومن قبل ذوي الإختصاص، لأن المقارنة بدرجات السؤ لا تكشف الجوهر القانوني للدولة أو صيغة الحكم، فعندما ندعوعلى سبيل المثال إلى حكم ديمقراطي أو دستوري لابد أن لا نتجاوز أسس قيام هذا الحكم وآلياته في آن واحد. فنحن نعتبر غياب الإرادة الوطنية العامة، هو السبب في إعتبار الحكم الملكي ذات طابع دستوري، وكذلك أنظمة الحكم التي جاءت بعده حتى وقتنا الحاضر، كما نعتبر مشكلة الحكم في العراق، تكمن في هذا السبب وليس في شكل الدولة، ولابد لهذه الإرادة، أن تجد لها فرصة حقيقية للتعبير عن نفسها في تحديد شكل الدولة ومضمون الحكم في ذات الوقت . لذلك نقول، إذا كان هناك " قانون " في الحقبة الملكية أو دولة قانون ومؤسسات دستورية، كما يسمّيها الدكتور الفضل، فنظام صدام أيضاً يدعي إنه يحكم بـ " قانون " ، ولديه هيئة " تشريعية " و " دستور مؤقت " (( بالأحرى دائم لأنه مضى عليه حوالي 34 عاماً، في حين القانون الأساسي في الحقبة الملكية 33 عام ))، وهناك " قوانين " تنظم العلاقات في المجتمع وفق رغبة الحاكم، رغم قناعتنا بوجود فارق كبير وواضح في شكل ومضمون وشمولية الإضطهاد السياسي والإجتماعي بين النظامين، علماً إننا غير معنيين في هذا البحث بهذا الفارق، بل نبحث في " صيغة التعايش بين العراقيين "، يعني شكل دولتهم وطبيعة دستورهم وآليات الحكم التي يرتضونها لتنظيم حياتهم . لذلك فإن الأساس الذي لابد أن يعتمد في عملية تقييم مرحلة تاريخية معينة هو حجم الإرادة الوطنية العامة وشكل التعبير عنها، لا قيمة النصوص المكتوبة بهذا الشكل أو ذاك، وطالما يتم تغيب هذه الإرادة في إطار التشريع والتنفيذ وآلياتهما ومراقبتهما، فإن كافة أشكال الحكم تكون متشابهة المضمون، ولا ديمقراطية رغم وجود مظهر هنا أو هناك في هذه المرحلة أو تلك، وهو ما عرفه العراق خلال ثمانية عقود . ومن ناحية الشرعية القانونية، فكل الأنظمة / الحكومات لم تحظ بالشرعية الوطنيةالمطلوبة، لأنها لم تأخذ بنظر الإعتبار إرادة الشعب وتحترمها، لا بل تم سلب حق الشعب في التعبير عن إرادته وحق تجسيدها في إختيار النظام السياسي والإقتصادي والأجتماعي الذي يريده ، وحق المشاركة في إتخاذ القرارات وبناء البلاد بمختلف الدوافع والمسوغات غير المنطقية. وإذ نؤكد على هذا الأمور ونحرص عليها، فإننا نستند إلى حقيقة كون الشعب في أي دولة هو ركنها الأساس، وبالتالي هو مصدر السلطات ومصدر السيادة، إذا كان الحديث يدورعن أنظمة تمارس صلاحياتها في إطار دولة ذات سيادة حقيقية وكاملة . من هذا المنطلق من الصعب فهم ما يكتبه بعض الحقوقيين العراقيين بإعتبارهم ذوي أختصاص ويفترض إنهم يدركون معنى المفاهيم القانونية وأسسها، ولا يجوز لهم القفز بهذا الشكل أو ذاك على حقيقتها كمفهوم السيادة ومصدرها، ودولة القانون، والفيدرالية مثلاً، لذلك فإننا نجد في الكثير من تقديرات الدكتور الفضل في دراسته المذكورة / العدد 290 ، وكذا الحال في مقاله / العدد 308 والعدد / 309 ، تتطلب التدقيق، كما فعل في مقاله / العدد 309 ، حيث ذكر ما تجاوزه في دراسته ـ العدد 290 ، وأشار إلى ( أن الدستور يصبح غير شرعي إذا لم يستفت عليه الشعب بحرية ودون خوف ) على سبيل المثال. وبشكل عام نحن نعتقد، أن الدراسة والمقال هما دعوة سياسية تلوي عنقها أمام الحقيقة القانونية، وتحمل الكثير من الأوهام، التي يتوجب تجنبها، على أساس تطلع الجميع إلى جهد حقوقي يصب في إتجاه تعزيز الوعي في هذا المجال من خلال كشف حقيقة المفاهيم وجعل المواقف السياسة تستند إلى مفاهيم علم القانون كما تستند إلى مفاهيم العلوم الإجتماعية الأخرى، قائمة على الموضوعية والحقائق التاريخية، لا أن يتم تسويغ المواقف السياسية على حساب جوهر المفاهيم القانونية الأساسية. الفيدرالية شكل دولة أم مضمون نظام حكم
يقول الدكتور الفضل في دراسته، العدد / 290 ( في فقه القانون الدولي أن الدول على أنواع متعددة ويتقرر نوع الدولة حسب ظروف وعوامل كثيرة، والإتحاد الفيدرالي أو الدولة الفيدرالية Federslism هي واحدة من أنواع الدول في العالم ومثالها كندا والولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا والهند وغيرها . وللاتحاد الفيدرالي أسباب أومبررات عديدة غايتها صنع التعددية والمشاركة الفاعلة الحقيقية في الحياة السياسية بصورة ديمقراطية وعادلة بعيداً عن التفرد في الحكم وحكر السلطات بيد شخص أومجموعة تنتهك القانون وتهدر الحقوق. ذلك لان حكم الفرد يقود دائماإلى الأخطاء والمشاكل والظلم بينما تؤدي المؤسسات ….. ) ، ويكرر ذات الرأي في مقاله المنشور في العدد 308 ، ويضيف إليه موضحاً ماهية الإتحاد الفيدرالي حيث يقول ( فالإتحاد الفيدرالي هو نظام دستوري يقوم على وجود عدة وحدات إدارية في الدولة الواحدة وهذه الدولة تتكون من سلطة مركزية وحكومة محلية واحدة أو أكثر ولكل منها مؤسساتها التشريعية والقضائية والتنفيذية إلى جانب وجود محكمة دستورية عليا تراقب تطبيق القانون وتحدد صلاحيتها وفق الأصول ، كما أن صلاحيات كل حكومة في الأتحاد في الإتحاد الفيدرالي تحدد بموجب الدستور الدائم للدولة الإتحادية ودستور حكومة الأقليم المحلي ومثال ذلك الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وكندا وسويسرا وماليزيا ). إن هذا القول في حقيقة الأمر ينسجم مع مفردة ( صنع )، أي أن الدكتور الفضل من خلال ما ذكره في الدراسة والمقال، يعمل على تصنيع مفهوم للفيدرالية لا سند له في الفقه القانوني أو في الحياة، ويتجلى هذا التصنيع من خلال الخلط بين شكل الدولة ومضمون الحكم فيها، على الرغم من إدراكنا للتأثير المتبادل بين الشكل والمضمون في مختلف الظواهر بما فيها الدولة، والعلاقة النسبية بينهما، فالشكل الواحد كما تعلمنا الحياة ممكن أن نراه في أكثر من مضمون ، كالشكل الجمهوري للحكم، فهو ذو مضامين متعددة، وكذا الحال بالنسبة للمضمون الواحد ممكن أن يتجلى بعدة أشكال، على سبيل المثال المضمون الديمقراطي نراه بالشكل الجمهوري أو الملكي، إلى جانب تفاصيل أخرى ممكن أن تكون علامات تمييز، كأن يكون هذا الشكل رئاسي أو برلماني أو مختلط رئاسي برلماني وهكذا. إن هذا الإختلاف والتنوع بالشكل والمضمون ينطبق على الحكم الملكي أيضاً، وكذا الحال بالنسبة إلى الدولة أكان شكلها بسيطاً أو مركباً( إتحادي)، حيث بالإمكان أن نجدها ديمقراطية أو غير ديمقراطية، وهذا من دون شك ينطبق على الدولة ذات الشكل الفيدرالي أيضاً . كما أن ما ذهب إليه الدكتور الفضل حول ( صنع التعددية …. ) ، يوحي بأن التعددية والمشاركة غير موجودة في دول كالسويد وفرنسا على سبيل المثال أو أن التفرد وحكر السلطة لم يحصل في ألمانيا الفيدرالية في الحقبة الهتلرية أو أن التعددية والمشاركة … موجودة في دولة الإمارات العربية المتحدة التي ذكرها في مقاله كمثال، العدد / 308 . في حين نقرأ في العدد 308 حول أشكال الدول ، وتقسيمها في ضوء فقه القانون إلى دول بسيطة ومركبة ( إتحادية )، مع توضيح لكل نوع من أنواع الدول الإتحادية، وكلها يقول عنها الدكتور الفضل إنها ( تتكون من إجتماع دولتين أو ولايتين أو إمارتين فأكثر )، فالإتحاد الشخصي يتمثل عنده في ( صورة للدولة على أساس وجود شخص واحد في منصب رئيس الدولة لدولتين أو أكثر… )، والإتحاد الحقيقي ( هو نمط من إنماط الإتحاد الفعلي بين دولتين أو أكثر … )، والإتحاد الكونفيدرالي ( يظهر هذا النمط من خلال إرتباط دولتين أوأكثر في إتحاد وفقاً لمعاهدة … )، إلا الإتحاد الفيدرالي عند الدكتور الفضل على ما يبدو شيء أخر، يسميّه ( نظام دستوري ……) !!!!! ، وبذلك لا يُفصح الدكتورعن حقيقة الإتحاد الفيدرالي وممن يتكون ؟! لا بل يسمّيه دولة واحدة، ولا ندري هل هو دولة واحدة بعد التكوين أو قبله ؟! وإذا كان هو دولة واحدة فلماذا يسمى إتحاد أذن ؟! وهل الدولة في نوع الإتحاد الحقيقي / الفعلي على سبيل المثال ليست دولة واحدة بعد تكوين الإتحاد ؟! كما أن من الأسئلة التي لا يمكن تجاهلها في هذا الصدد ، إلى جانب عدة تساؤلات ، وجميعها تحتاج إلى إجابات من الدكتور الفضل أوغيره من ذوي الأختصاص أوالمسؤولية من مختلف الإتجاهات وهو، لماذا الإتحاد الفيدرالي فقط يكون ( نظام دستوري ) عند الدكتور الفضل كما جاء في الدراسة والمقال ؟!! هل يعني هذا أن الأنواع الأخرى من الدول المركبة / الإتحادية، والتي ذكرها في المقال / العدد 308 ، هي إنظمة غير دستورية ؟! وبالتالي تصير الدستورية خاصية للأتحاد الفيدرالي فقط !!! ولا توجد دول بسطية أو مركبة / إتحادية قائمة على أساس دستوري ، أليس هذا بعيد عن واقع الحال ؟! أن فقه القانون قد كشف عن الأشكال القائمة من الدول وصنفها إلى صنفين ، دول بسيطة ودول مركبة، والمركبة هي الدول الإتحادية، والشكل الإتحادي يظهر بعدة مظاهر منها الشخصي والفعلي ، ومنها الفيدرالي والكونفيدرالي، وأن الدول الإتحادية هي دول تقوم على أساس أتحاد دولتين / ولايتين / مقاطعتين / إقليمين أو أكثر من الدول / الويلات / المقاطعات / الأقاليم المستقلة التي لا يمكن لها العيش بشكل مستقل تتحد بهذا الشكل أو ذاك، أو لوجود عوامل أخرى كوحدة اللغة أو التقارب الثقافي أو أي مبرر أخر سياسي، علماً أن الإتحاد الأوربي يمثل الشكل المعاصر للكونفيدرالية، وهوالشكل الذي لا يلغي الشخصية القانونية الدولية للدول التي يتشكل منها الإتحاد بعكس الأشكال الإتحادية الأخرى حيث تبرز شخصية قانونية دولية جديدة أكان هذا الشكل فيدرالي أو إتحاد حقيقي / فعلي أو شخصي، على الرغم من إنعدام الشكل الشخصي حالياً وإنحسار الأشكال الأخرى، إلا أن الشكل الفيدرالي للإتحاد لازال قائماً ومستمراً، ولنا في المنطقة العربية مثال في دولة الأمارات العربية المتحدة ، كشكل فيدرالي للدولة، كما أن الدول التي ذكرها الدكتور الفضل كأمثلة هي من الطراز الذي وضحناه آنفاً، وليس من الطراز الذي ذهب إليه الدكتور من خلال توضيحه أو تعريفه الفيدرالية قائلاً ( فهي إستقلال داخلي ضمن الدولة الواحدة المركزية الفيدرالية وعلى أساس المساواة )، العدد / 290 ، فهذا خلط بين المقدمات والنتائج، ولا ينسجم مع حقائق التاريخ ومبررات قيام الدولة الفيدرالية. إن الدول التي هي نتاج إتحاد بشكل الفيدرالي، ليس فيها أنظمة حكم واحدة من حيث الشكل والمضمون ، فالولايات الإمريكية المتحدة نظامها لا يشبه من قريب أو بعيد نظام الحكم في دولةالإمارات العريبة المتحدة، ولا حجم وآلية الديمقراطية في سويسرا تشبه حجم وآلية الديمقراطية في الهند وماليزيا، كما أن الفيدرالية السوفيتية لا تشبه الفيدرالية الروسية، ولذلك نحن نمييز بين شكل الدولة ونظام الحكم، ونعتبر الفيدرالية شكل للدولة ولا علاقة لوجودها أو عدمه بمضمون نظام الحكم، وفي ذات الوقت فإننا نجزم بأن كل كتب القانون من دون إستثناء تقول إن الفيدرالية إتحاد دول أو ولايات أو مقاطعات أو أمارات مستقلة، فلماذا قفز الدكتور الفضل على ذلك ؟! وتأكيداً على ما نذهب إليه حول حقيقة الإتحاد الفيدرالي، نذكر ما ورد في كتاب الدكتور كمال الغالي ( مبادىء القانون الدستوري والنظم السياسية) على سبيل المثال لا الحصر، بأن الدولة الإتحادية يعرفها البعض ( إتحاد دول تخضع جزئياً لسلطة موحدة ، وتحتفظ جزئياً بإستقلالها )، كما نشير إلى ما ورد في المعجم القانوني ( إتكليزي ـ عربي ) لـ حارث سليمان الفاروقي، من إصدار مكتبة لبنان، الطبعة الخامسة / 1988 ، Federal، معناها ( إتحادي، فيدرالي : خاص بكافة الولايات أو الدول المشمولة بإتحاد عام يجمعها في حكومة واحدة تعرف " بالحكومة الإتحادية " Federal Government " ولا يؤثر هذا الكيان الإتحادي في الإستقلال الداخلي الذي تتمتع به كل من ولايات الإتحاد أو دوله ) . إضافة لما تقدم ، نتسائل، هل لدي الدكتور الفضل ما يجعلنا نمييز بين مصطلح السلطة والحكومة، لآنه من غير المفهوم أن يقول ( فالإتحاد الفيدرالي هو نظام دستوري يقوم على وجود عدة وحدات إدارية في الدولة الواحدة وهذه الدولة تتكون من سلطة مركزية وحكومة محلية واحدة أو أكثر … ) .
طريقتان لقيام الإتحاد الفيدرالي
لقد تجنب الدكتور الفضل الإشارة إلى طرق قيام الإتحاد الفيدرالي ، ولم يذكر كيفية قيامه في أي دولة من الدول التي ذكرها كأمثلة على إنها فيدرالية، علماً أن الدول المركبة / الإتحادية نشأت بطريقتين كما توضحها كتب القانون وتؤكدها الحياة : أولاً : إتحاد دول أو دويلات أو ولايات أو مقاطعات أو أقاليم، مستقلة ـ وهذا شرط لا يمكن إغفاله ـ يربطها تقارب لغوي أو ثقافي أو عرقي أو إقتصادي، بمعنى أخر هناك حاجة موضوعية تتطلب الإتحاد وهذا ما ينطبق على بعض الدول التي ذكرها الدكتور الفضل مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تولد بولاياتها الخمسين، كما يعرفها الجميع الآن، إنما بدأ إتحادها بثلاثة عشرة ولاية في عام 1776، وبعد أن نالت هذه الولايات إستقلالها، وإنضمت الولايات المستقلة الأخرى لاحقاً، وهذا ينطبق على ألمانيا وسويسرا . ثانياً : تفكيك الدولة وإعادة بنائها على أساس إتحادي، والتفكيك هنا للدولة الواحدة ( شعب ، أرض ، حكومة )، وإعادة البناء هنا تكون لدول أو ولايات أو مقاطعات أو أقاليم نالت إستقلالها من خلال التفكيك، ومن أمثلة هذه الطريقة، قيام الإتحاد السوفيتي، حيث تم تفكيك الإمبراطورية الروسية، على أساس مبدأ حق تقرير المصير للشعوب، الذي كان أحد مبادئ ثورة إكتوبر عام 1917، وفي ضوء ذلك تمكن الشعب الروسي والشعوب الأخرى التي كانت تحت السيطرة القيصرية نيل إستقلالها أولاً ورسم حدود بلدانها ووضع الدساتير الوطنية، وبعد ذلك قام الإتحاد فيدرالي بينها عام 1922، وفي بداية التسعينيات وبالإرتباط مع التطورات الدولية، والتغييرات في السياسية السوفيتية، إنهار الإتحاد وإستقلت الدول المكونة له في إطار حقها المشروع بذلك .
الفيدرالية عراقياً
في البدء نشير إلى بعض النقاط التي تحتاج إلى بحث خاص أو إجراءات عملية، إلى جانب ذلك نشير ما نعتبره منطلقات أساسية من الضروري أخذها بنظر الإعتبار في هذا المبحث : 1 ـ العراق بلد متعدد القوميات لكل منها حق تقرير المصير بنفسها وفق كل المواثيق الدولية . 2 ـ عند معالجة هذه الموضوعة ( حق تقرير المصير )، ينبغي عدم الإنطلاق من ممارسات صدام ونظامه التعسفي الشوفيني ، وجعل المعالجة كرد فعل لتلك الممارسات، كما لايجوز القفز على حقيقة ضحايا النظام كونهم عرب وأكراد وتركمان وأشورين وكلدان … وبالتالي كل القوميات تطمح بالخلاص وهي معنية بتحقيقه . 3 ـ إن المنطلق في هكذا معالجة لابد أن يستند إلى وجود القوميات وحقها في تقرير مصيرها في ضوء المعطيات التاريخية . 4 ـ لا يمكن تصور إمكانية ممارسة حق تقرير المصير لأية قومية بمعزل عن أو قبل تحقيق النظام الديمقراطي ، وبإعتماد الأساليب الديمقراطية . 5 ـ في هذا المبحث، لا نجد من ضمن الأسئلة التي نتصدى لها، سؤال هل نحن مع أو ضد الفيدرالية، على إعتبار هذا الجواب مسؤول عنه الشعب العراقي، وليس الباحث، ومهمتنا تتلخص في تحديد المفاهيم بشكل موضوعي جهد الإمكان . 6 ـ من الضروري عدم الخلط بين شكل الدولة، ومضمون نظام السياسي، عند الحديث عن الفيدرالية والغاية من إقامتها وضرورتها . نحن نعتقد، بأن مفهوم الفيدرالية، والمطالبة بها في سياق النظال ضد الدكتاتورية القائمة، تعرضت للتشويه بشكل كبير جداً، الأمر الذي أدى إلى ظهور مواقف متباينة منها، جراء التفسيرات غير الدقيقة، ولعدم تقديم أمثلة تاريخية ملموسة، وإقتصار الأمر على ذكر أسماء الدول ذات الشكل الفيدرالي من دون توضيح شيء عن تاريخها ودوافع إعتمادها هذا الشكل، ناهيك عن إغفال معالجة شكل الدولة العراقية من الناحية التاريخية، الأمر الذي دفع البعض إلى الدعوة لقيام الفيدرالية على أسس طائفية أو المطالبة بالكونفيدرالية، أو إقامة خمس فيدراليات …. من دون توضيح المسوغات لمثل هذه المقترحات . في ضوء ما تقدم من توضيحات، وعلى أساس مفهوم الفيدرالية وفق فقه القانون الدولي بشكل عام والدستوري بشكل خاص، وطرق إقامة الفيدرالية على الصعيد العالمي، فإن الفيدرالية في ظروف العراق، يفترض أن تأخذ الطريق الثاني، وهو تفكيك الدولة العراقية وإعادة بنائها من جديد على أسس تنسجم مع حقيقة الشكل الفيدرالي للدول، بمعنى أخر تحديد المناطق ورسم الحدود، وتشريع دستور لكل منطقة، وتشكيل حكومة لها، إلى جانب تشريع دستور للدولة ككل وتشكيل حكومة موحدة، بعد أن يتم الأخذ بالمعطيات التاريخية والحقوق القومية ودراسة إمكانية ذلك فعلياً. وعلى هذا الأساس، لا نجد مبرراً عدم القول صراحة بأن الفيدرالية في العراق تبدأ بعملية تفكيك الدولة، كما لا يوجد مبرر للخوف من إستخدام مفردة التقسيم، أو عدم القول بأن الفيدرالية هي تقسيم وإعادة وحدة، لأن الفيدرالية تستلزم هذه الخطوة أولاً، وثانياً يتم الإتحاد بين المناطق التي لها الحق بالشكل الفيدرالي، وبهذا يكون الأمر منسجماً مع المفهوم القانوني للفيدرالية، الذي هو الأساس كجزء من مفاهيم علم القانون بشكل عام، ونظرية الدولة والقانون بشكل خاص، وكذلك ينسجم الحال مع تجارب الشعوب التي كثيراً ما تذكر دولها كنموذج للشكل الفيدرالي . كما إن إستخدام بعض الكلمات أو الشعارات مثل ( وحدة التراب العراقي ، عراق فيدرالي ديمقراطي موحد، فيدرالية في إطار العراق الموحد …. ) تزيد الأوهام ولا تحل الألغاز، فنحن في عملية كفاحية ضد نظام دكتاتوري تتطلب الكشف عن الحقائق وتحديد المفاهيم بشكل كافي مع تحديد معنى المفردات وجدواها، ونستند في قولنا هذا على أن الفيدرالية هي في نهاية المطاف دولة واحدة ولا توجد دولة فيدرالية غير موحدة، فما جدوى مثل هذه الشعارات إذن؟! لا نعتقد بوجود الجدوى بذلك، بل نرى في هذه المفردات أوهام لا تنسجم مع حقيقية المفهوم من الناحية النظرية والتطبيقية . فكما أشرنا في سياق الكلام حول الفيدرالية وضرورتها التاريخية، فنحن نطرح السؤال التالي فيما يخص شكل الدولة العراقية، كي يكون الأمر واضحاً عندما تتم الإجابة على هذا السؤال الذي نعتبره هو الأساس في توفير فهم أدق لموضوعة الفيدرالية عراقياً : والسؤال هو : هل العراق دولة بسيطة متعددة القوميات بالأساس أم دولة مركبة / إتحادية، أي مكونة من عدة دويلات، مقاطعات إمارات، ولايات مستقلة تم دمجها؟؟؟ فإذا كان الجواب ــ وهو مسؤولية السياسيين والمؤرخين والحقوقيين في ضوء الوثائق والحقائق التاريخية ــ بأن العراق دولة بسيطة متعددة القوميات، فأن المشكلة تكون واضحة وتتعلق بمضمون الحكم القائم حالياً أو الذي كان قائماً سابقاً كسبب في عدم إعطاء القوميات حقوقها المشروعة وعلى الأخص إدارة شؤونها بنفسها في إطار الدولة الموحدة عبر نظام اللامركزية الإدارية وتحديد مناطق للحكم الذاتي الحقيقي، وليس الحكم وفق النموذج الصدامي الذي شوه المطاليب المشروعة ومارس الإضطهاد والتمييز القومي . أما إذا كان الجواب بأن العراق دولة مركبة / إتحادية، فالأمر هنا يصبح أكثر وضوحاً ومن السهل والضروري، إذا ما إتفقت الإرادات، أن يتم إعادة بناء الصيغة الإتحادية من جديد، وبالصيغة الفيدرالية بعد معرفة قوام هذه الفيدرالية وأساسها ماذا سيكون ؟! حق قومي أم حق طائفي كما يذهب البعض .. وفي كلا الحالتين، فإن الأمر لا يتجاوز مبدأ حق تقرير المصير من الناحيتين المبدأية والعملية، بل أن هذا الحق الأساسي يتجلى بالصيغة التي تنسجم مع الجواب على السؤال الأساسي الذي يتعلق بتحديد شكل الدولة العراقية أولاً، بسيطة أم مركبة !! وهذا التحديد لا يحتاج إلى آجل طويل كما تحتاجها عملية بناء الأسس الديمقراطية والمؤسسات التي تتطلبها، وكذلك كيفية ترسيخها في حياة المجتمع بإعتبارها عملية متواصلة مع المتغيرات الحياتية. بل الأمر ممكن حسمه في ضوء الوقائع والوثائق التاريخية . وإذ نؤكد على أهمية الحقائق التاريخية وإعتماد إرادة الشعب العراقي بمختلف قومياته إنطلاقاً من كون الأمر يتعلق في حل مشكلة وليس في تعقيدها أو إيجاد مشكلة جديدة، ولذلك فكل الأطراف لها ذات المسؤولية في إقرار الشكل المطلوب، وعكس ذلك يعني إبقاء الحال كما هو عليه، أي إستمرار لعملية سلب الحقوق وبمعنى أخر إستمرار للمشكلة وإبتعاد عن تحقيق الديمقراطية كما ينبغي وبحدها الأدنى على أقل تقدير . أن إقرار شكل الدولة العراقية، وكما هو معلن كمطلب، الشكل الفيدرالي، لا يقتصر على الشعب الكردي، مع كامل تقديرنا لكفاحه ونصرتنا لحقوقه، وضرورة توفير الظروف الفعلية كي يتمتع بحقوقه المشروعة كافة، ورأينا بهذا الصدد يقوم على أساس أن الفيدرالية هي إتحاد، والإتحاد يفترض وجود أكثر من طرف، لذلك لا يستطيع طرف واحد أن يقرر شكل العلاقة مع الطرف الأخر من دون موافقة الطرفين، ففي هذه الحالة نكون أمام عملية إكراه، وعمل من هذا الطراز لا يعالج القضية بل يجعلها قائمة، في حين يتطلع الجميع إلى حل ديمقراطي عادل . فإذا كان كلامنا هذا غير دقيق، فأن الأمر سينسحب على تاريخ نضال الشعب الكردي كله وكل الشعوب المناضلة من أجل حق تقرير المصير، حيث يكون الإفتراض بأن هذه الشعوب سلبت حقوقها من طرف واحد فعليها أن تقبل سيما والقاعدة التي يستند عليها البعض هي حق طرف واحد بتحديد صيغة الإتحاد، ولا نجد في ذلك شيء من المعقولية، أو إنسجام مع المبادىء والقواعد السياسية والقانونية على الصعيد الوطني والدولي . إن الفيدرالية كصيغة إتحادية لا تختلف من حيث المبدأ مع الصيغ التعاقدية، من حيث وجود طرفين أو أكثر، وضرورة أن يقوم التعاقد على أسس صحيحة بما فيها رضى الأطراف المتعاقدة، كما أن حالة الإنفصال كشكل من الأشكال التي يتجسد فيها حق تقرير المصير، لا يمكن أن يتحقق من دون قبول الطرف الأخر الذي كان مندمجاً معه، عبر إقرار الحق سلمياً أو إنتزاعه بوسيلة الكفاح المسلح، لأن عدم القبول يعني إستمرار النزاع، وهذا نجده في تجربة تيمور الشرقية حيث تم إنتزاع هذا الحق بالكفاح المسلح، وأقرته أندونيسا، فلو لم تعلن موافقتها لبقي النزاع مستمراً، كما هو حال الشعب في الصحراء الغربية حيث المغرب لحد هذا اليوم لم تقر بحق الإنفصال، لذلك القضية لا تزال مستمرة. ختاماً … إن ما ذكرناه هنا هو محاولة لكشف المفاهيم بشكل موضوعي، حرصاً على قضية شعبنا العراقي في الخلاص من الدكتاتورية من جهة، ومن جهة أخرى محاولة لإزالة التشويه الذي أصاب مفهوم الفيدرالية، وقضية الشعب الكردي وحقوقه المشروعة وفي مقدمتها حق تقرير المصير، وكذلك حقوق بقية القوميات التي يتألف منها المجتمه العراقي. فإلى المزيد من العمل على طريق تحقيق الخلاص الوطني، وإرساء الأسس الديمقراطية وضمان حقوق القوميات بالصيغة التي تعبر عنها الإرادة الوطنية العامة، فالقومية الحرة لا تغتصب حق قومية أخرى، وما أصاب الكرد من ويلات جسام من الناحية التاريخية شاركهم العرب والتركمان والكلدان والأشوريون، رغم إقرارنا بإختلاف درجات ومظاهر هذه الويلات، فالدكتاتورية واحدة وضحاياها طيف قومي وطائفي وسياسي واسع . كما نأمل أن يجد السؤال الأساسي حول شكل الدولة العراقية، الذي طرحناه إهتماماً من ذو الشأن والمختصين في مجال التاريخ والسياسة والقانون، وهو ( هل العراق دولة بسيطة أم مركبة ) .
* نشرت هذه المادة في جريدة المؤتمر / العدد 328 ، 330 تحت عنوان ( الحل في مضمون الحكم وليس في شكل الدولة ) .
|