العراق العلماني |
نـــــزار حيدر
● ليس في العراق الجديد ، من لا يحق له أن يدلي برأيه ، في أية قضية من القضايا العامة ، السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والحقوقية ، وغير ذلك ، ولكن ، في نفس الوقت ، ليس لأحد أن يفرض رأيه على ألآخرين ، في كل الظروف . هذه القاعدة لا يستثنى منها أحد ، بسبب زيه أو إنتمائه أو موقعه الاجتماعي ، فإذا كان المواطن العادي يحق له أن يدلي برأي ما في قضية ما ، فهل يجوز أن نمنع المرجع الديني ـ مثلا ـ من الإدلاء برأيه ، في قضية من القضايا ، ليس إلا لمجرد أنه يلبس العمامة ؟. حتى أولئك الذين يرفضون اليوم تدخل (رجل الدين) بالسياسة، ظلوا، ولسنين طويلة ، يتعاملون معه كرجل سياسة ، وذلك طوال فترة عمل المعارضة العراقية ، والممتدة أكثر من ربع قرن من الزمن ، فهل يعتقد هؤلاء ، بان (رجل الدين) هذا ، يحق له التدخل بالسياسة فترة النضال السلبي ، ولا يحق له تعاطيها فترة النضال الايجابي ؟ وبعبارة أخرى ، هل يرونه يصلح للذبح والإعدام والاعتقال والمطاردة والاغتيال ، ولا يصلح للسلطة والإدارة ، أو على الأقل كرأي في القضايا العامة ؟ فيتعاملون معه في مجلس الحكم الانتقالي ، ولا يتعاملون معه إذا لم يكن عضوا فيه ؟ أو يتعاملون معه إذا كان ضعيفا مستضعفا ، ويرفضون التعامل معه إذا كان قويا مقتدرا ؟ . ثم ، من انتم ؟ وماذا تمثلون ؟ حتى تحددوا دور الناس ؟ فهذا يصلح للحكم ، وذاك يصلح للذبح ؟ أنتم تصلحون للقيادة ، وغيركم جهلة وأميون لا يصلحون إلا للسوق كالبهائم ؟. حقا ، لقد سقط الطاغية الذليل ، ليكشف الكثيرون عن حقيقتهم ، وما كانوا يخبئونه تحت طيلسانهم ، والإمام علي (عليه السلام) يقول ؛ (المرء مخبوء تحت طي لسانه لا تحت طيلسانه) ، وها هي الأيام ، تنتزع ما خبأه هؤلاء ، تحت طي ألسنتهم عقود طويلة من الزمن ، لتكشفهم على حقيقتهم و (عش رجبا ، ترى عجبا). ما لهم ؟ كيف يحكمون ؟ وما هو الفرق ، إذن ، بينهم وبين نظام الطاغية الذليل ؟ ، الذي لم يكن يميز بين مواطن وآخر عندما كان يوزع الموت وينشر القتل وينثر الدم في الاتجاهات الاربع ؟ . لقد حاول النظام البائد أولا إبعاد (رجل الدين) عن السياسة ، في الوقت الذي كان يتدخل هو في الدين وشؤونه ومؤسساته وبكل التفاصيل المتعلقة به ، ولكنه عندما كان يمر بأزمة ما ، كالحرب العراقية الإيرانية وأزمة إجتياح الكويت ، وأزمة الحرب مع المجتمع الدولي ، كان يسعى لتوظيف الدين و(رجل الدين) لخدمة سياساته وأغراضه أسوأ توظيف ، وعندما كانت تعيه السبل ، كان يستورد (رجال الدين) من الخارج ، ليمرر ما كان يريد قوله على ألسنتهم ، كما فعل ذلك فترة إحتلاله للجارة الشقيقة الكويت . أكثر من هذا ، فقد راح يفتتح بياناته وخطبه ، بآيات من القرآن الكريم ويختتمها بأخريات ، وأكثر ، عندما اختار الآية المباركة ، (وجئتك من سبأ بنبأ يقين) ، لتكون شعار جهاز المخابرات سيئ الصيت ، لتزين شارة عناصره الإرهابية ، في إشارة إلى استحسان عملهم ، كما فعل هدهد سليمان الذي نقل لصاحبه نبي الله خبر الملكة بلقيس التي كانت تعبد وقومها من دون الله . ولم يكتف بكل ذلك ، فأطلق ما أسماه بالحملة الإيمانية التي كانت ، ولله الحمد ، السحر الذي انقلب على الساحر. وعندما أراد المرجع الديني (الصدر الثاني مثالا) أن يدلي برأي ما ، في قضية ما ، أقام النظام الدنيا ولم يقعدها، فهدد وتوعد، ولما لم ينحن الرجل أمام كل تهديدات النظام ، إعترضه جهاز الاغتيالات ، الذي كان يشرف عليه قصي ، إبن الطاغية الذليل ، ليمطره برصاصات الحقد الأعمى الدفين ، هو وإثنين من أولاده الأربعة . تلك كانت قصة النظام البائد مع الدين ورجاله ، فلماذا يتعامل بعض ضحاياه اليوم بنفس الطريقة ؟ وإذا بهم يصبون جام غضبهم على الدين ورجاله ، لمجرد أن المرجع الديني قال رأيا في قضية ما ؟ . هم يخوضون في قضايا الدين ، كل الدين ، لدرجة أن أحدهم نصب نفسه إماما وفقيها ومؤرخا ومفسرا (ما شاء الله)، وهو الذي لم يدرس ألف باء الطهارة ، وراح يفتي بما لم ينزله الله من سلطان، ومن دون أي دليل أو حجة ، فحمل الدين من البدع والخرافات الشئ الكثير ، وفسر آيات القرآن الكريم بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير ، وأبدى رأيا في آيات القصاص ، ما لم نسمع بمثله حتى أيام زمن الطاغية الذليل ، ثم يختم مقالته بقوله ، وكأنه استنتج رأيا فريدا يستحق أن يمنح عليه شهادة براءة الاختراع ، فيقول (ولكل ذلك لا نريد للدين أن يتدخل في السياسة ، ولا نريد لرجل الدين أن يتدخل في السياسة) . إن مثله يشبه إلى حد بعيد ، مثل ذلك الذي سأله صاحبه ، إن كان يصلي أم لا ؟ ، فأجابه بالنفي ، ولما سأله عن السبب ؟ رد عليه بقوله ، عملا بأمر الله عز وجل ، فاستغرب زميله وسأله ، وأين قرأت هذا الأمر الإلهي الخطير، والذي لم تنتبه له كل الرسل والأنبياء والصالحين والشهداء من قبل ؟ فأجابه ، قرأته بقول الله عز وجل في كتابه العزيز (ولا تقربوا الصلاة). ضحك زميله ضحكة كادت أن تكون القاضية ، قائلا له ؛ ولكن للآية تكملة ، لعلك نسيتها ؟ تقول ؛ (وانتم سكارى) ؟ أجاب الرجل بكل ثقة المكتشف المتيقن ؛ أنا أعشق هذا الجزء من الآية ، وأنا حر ، ولذلك أطبقه حرفيا من دون زيادة أو نقصان ، ولك أن تختار من الآية ما تحب وتهوى . هو يحب أن لا يتدخل الدين بالسياسة ، ويكره أن يتعاطى (رجل الدين) بالشأن العام ، ومن أجل أن يدلل على رأيه، ويضفي الدليل الشرعي المزعوم ، تراه يتصفح سور وآيات القرآن الكريم ، وأحيانا بعض كتب التفسير المشبوهة ، بحثا عن كل ( نصف آية) تخدم هدفه ، بطريقة إنتقائية ظالمة ومتعجرفة ، حتى إذا لزم الأمر ، زاد عليها أو أنقص منها شيئا . نعم هو حر بطريقة تفكيره المنحرفة والمخادعة هذه ، ولكنه ، بالتأكيد ، ليس حرا في تحميل الدين خزعبلاته ، والنتائج المنحرفة التي يصل إليها بهذه الطريقة من التفكير . حقا إنهم تلاميذ معلمهم الطاغية الذليل ، فهم الصورة المصغرة لتلك الحقبة التي مرت على العراق ، فأرته الويل والثبور . أجزم ، لو حكم أمثال هؤلاء ، العراق الجديد ، لأعادوا عقارب الزمن إلى عهد نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي ، فسيروا ، أولا ، المظاهرات الشعبية ـ وإن سماها بعضهم بالملايين الأمية لأنها لم ترفع صور الزعيم العمالي المحبوب ، أو تردد شعار الطبقة العاملة ـ ، وهي تتوعد (الرجعية السوداء) بالويل والثبور ، والقاضي المسكين ، بالغرق حتى الموت ، ليشرب من ماء البحر، وهي تردد ؛ (بس هالشهر، ماكو مهر ، والقاضي نذب بالنهر) ، ـ أي الزواج على الطريقة الديمقراطية ـ . أي عراق جديد يريد أن يبنوا لنا هؤلاء(الصداميون الجدد) ؟ و(الضلاميون الديمقراطيون) ؟ وأي مجتمع يريد هؤلاء ؟ . لا أحد يعترض على كل ما يقولونه ، فهو يدخل في إطار إحترام الرأي والرأي الآخر ، شريطة أن لا يحملوا الدين كل ما هو منه براء ، وعليهم أن يأتوا بالدليل العلمي المقنع ، لنشعر أنهم بالفعل ، حريصون على تبني كل كلمة يقولونها ، وكل رأي يدلون به ، أما أن يطيروا الكلام على عواهنه ، ويوزعوا التهم والافتراءات يمينا وشمالا ، ويحاولوا فرض آرائهم قسرا وبالإكراه ، لدرجة التوسل بالكذب والتزوير والغش والخداع وطريقة الانتقاء السيئة، فإن كل ذلك مرفوض جملة وتفصيلا ، لا أحد يقبل أن يعود إلى أجواء العراق الجديد أبدا . كذلك ، فكما أن من حقهم أن يقولوا رأيهم في كل الأمور التي يعلمون بها ولا يجهلونها ، فإن للآخرين كذلك كامل الحق في إبداء آرائهم بكل ما يريدون ، لا فرق في ذلك بين من يلبس الجبة والعمامة ، أو من يلبس الكوفية والعقال العربي ، أو من يلبس ربطة العنق ويضع على رأسه السيدارة الإفرنجية ، أو من يلبس الزي الوطني الكردي أو التركماني أو الآشوري أو أي زي آخر ، فليس المهم من الذي يقول ، وما هو إسمه أو زيه أو رسمه ، أو إنتماءه ، وإنما المهم ، ما الذي يقوله ؟ وكيف يقوله ؟ ، وفيما إذا كان صحيحا مقنعا ، أم خطأ مرفوضا لا يقنع الآخرين . إن ما يؤسف له حقا ، هو أن بعض فلول جيل الديناصورات المنقرضة ، كشف عن وجهه الحقيقي وأماط اللثام عن قلبه الأسود المملوء حقدا وضغينة ، ضد كل ما يمس الدين وأهله من قريب أو بعيد ، فيحاول أن يعيد للعراق أجواء عهد الخمسينيات والستينيات ، أيام المد الأحمر سئ الصيت ، الذي رفع وقتها راية العداء للدين وقيمه وأخلاقه ، لدرجة إضطرت وقتها المرجعية الدينية العليا آنذاك ، السيد محسن الحكيم ، لإصدار الفتوى الدينية التاريخية المشهورة التي تقول (الشيوعية كفر وإلحاد) ، والتي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير الأحمر . ترى ، متى كان الدين سببا لمشاكل العراق الحديث ؟ لتطالب هذه الفلول بالنظام العلماني المعادي للدين ؟ ، بل متى كان النظام في العراق دينيا ، حتى يطالبون اليوم بنظام علماني ؟ . ألم تحكم العلمانية ، العراق الحديث منذ تأسيسه مطلع القرن الماضي وحتى سقوط الطاغية الذليل ؟ . ألم ترتكب كل الجرائم التي شهدها العراق خلال القرن الماضي من الزمن ، باسم العلمانية ؟ . ألم يقتل الشيوعيون باسم ، العلمانية ؟. ألم يقتل الإسلاميون ، باسم العلمانية ؟. ألم يقتل الرجل والمرأة ، الصغير والكبير ، باسم العلمانية ؟. ألم يقتل رجل الدين الشيعي ، وأخيه السني ، وأخيه المسيحي ، وكل رجال الدين في العراق ، باسم العلمانية ؟. ألم تقصف مدينة حلبجة ، باسم العلمانية ؟. ألم يمتلئ العراق بالمقابر الجماعية ، باسم العلمانية ؟. ألم يقتل الأبرياء في عمليات الأنفال ، باسم العلمانية ؟. الم تستباح الأعراض ، ويغتصب الشرف ، باسم العلمانية ؟. الم تشن الحروب ضد الكرد في الشمال ، وضد الجارة إيران ، والأخرى الكويت ، باسم العلمانية ؟. لقد ارتكب الشيوعيون جرائمهم ، باسم العلمانية ، كما ارتكب القوميون جرائمهم ، باسم العلمانية ، وكذلك فعل المدنيون والعسكريون ، إن كل الجرائم الفضيعة ارتكبت باسم العلمانية ، فأين الدين في كل ذلك ؟ ، لتطالب حثالة نكرة ، بفصل الدين عن السياسة ، ومنع رجل الدين من التعاطي بالشأن العام ؟. على العكس من كل ذلك ، فان من حق المواطن العراقي الذي ضحى مدة (35) عاما من اجل صيانة دينه وقيمه ومقدساته ، أن يطالب بقيام نظام ديني في العراق الجديد ، بعد أن ذاق الأمرين من النظام العلماني . إنهم يحكمون على الدين وأهله بالنوايا والاحتمالات ، أما العلمانية ، التي جربناها قرن من الزمن ، ورأينا بأم أعيننا ، ما فعلت بأربعة أجيال من الشعب العراقي ، فلا يصدرون ضدها أي حكم ، بل يبرئونها من جرائمها في اغلب الأحيان . حقا إنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون . ولهؤلاء أقول ؛ أولا ؛ العراقيون شعب متدين (مسلمون ومسيحيون وغيرهم) ، من دون أن يعني ذلك بالضرورة ، أبدا أنهم يريدون إقامة نظام ديني ، إلا أن الدين بالنسبة لهم ، قيم وأخلاق وقواعد اجتماعية ولغة وتاريخ وثقافة وعبادات وعلاقات اجتماعية ، يخطئ من يتصور أنهم سيستغنون عن دينهم في يوم من الأيام لصالح حفنة تدعو إلى التحلل الأخلاقي. ولمن يريد أن يتأكد مما أقوله ، عليه أن يقرأ الواقع العراقي الحالي بشكل دقيق ، بعيدا عن النماذج الانتقائية والعقد التاريخية ، فلقد رأينا كيف خرجت الملايين في أربعين الإمام الحسين بن علي (عليهم السلام) في مدينة كربلاء المقدسة ، بعد سني الكبت ومحاربة الدين وشعائره ، ومنها شعائر الحسين (عليه السلام) . أو كما عرضت لنا شاشات المحطات الفضائية ، التظاهرات المليونية التي جابت شوارع محافظات العراق تأييدا للمرجعية الدينية ، كما أن صلوات الجمعة التي يشارك فيها الملايين في كل مناطق العراق تقريبا، ومن دون استثناء ـ وهي بالمناسبة اكبر وأضخم تظاهرة أسبوعية دينية وسياسية لا تضاهيها أية ظاهرة سياسية أخرى ـ ، دليل آخر على صحة ما أقول . ولكي أكون منصفا ، يلزم أن اذكر هنا تظاهرة ألـ (200) نفر التي عرضتها لنا المحطات الفضائية ، والتي خرجت في العاصمة بغداد ، في ذكرى عيد العمال الذي يتخذه هؤلاء شعارا لهم ، فلقد نقلت وسائل الإعلام وقتها ، أن المشرفين على التظاهرة ، أصدروا أمرا حزبيا صارما وملزما لكل منظماتهم الحزبية في مختلف مناطق العراق ، للمشاركة في التظاهرة (المئتينية) ، ولم ينس المنظمون دفع قيمة وجبة الغداء للعمال والفلاحين الكادحين ، الذين شاركوا في التظاهرة (خبز وكباب) . ثانيا ؛ سيكتب للنظام العلماني الفشل في العراق ، فلا تتعبوا أنفسكم . حتى الرئيس الاميركي جورج بوش ، تنازل عن زلة لسانه ، التي قال فيها يوم أن سقط نظام الطاغية الذليل ، (أن إدارته تريد إقامة نظام علماني في العراق) ، بعد أن اصطدم بحقيقة الواقع العراقي الملتزم بالإسلام ، لدرجة انه أعلن احترامه للمرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني وتقديره لآرائه (السياسية طبعا) ، لان الرئيس بوش لا علم له بالدين ، ثم ، انه علماني لا يتدخل في شؤون الدين ، كما هو معروف، وينص عليه الدستور الاميركي . ولا ادري إن كان علمانيو العراق قد اطلعوا على نص الدستور الأفغاني الجديد، الذي صادق عليه الشعب في ظل الاحتلال الاميركي وباستشارة اميركية صرفة ؟ ، فقرأوا مثلا ، النص الدستوري الذي يسمي الدولة الجديدة (جمهورية أفغانستان الإسلامية ) وأن (الإسلام هو دين الدولة الرسمي ومصدر التشريع الأول) ؟. وهل قرأوا دستور دولة فلسطين المرتقبة ، المقترح ، والذي يذكر نصوص مشابهة ، لتلك الواردة في الدستور الأفغاني ؟ . أقول وبصراحة ، لقد ولى عهد الاستعمار البريطاني للعراق الحديث ، وقد كنست كل مخلفاته عن ارض العراق ، وبقي أن نكنس مخلفاته ، التي لا زالت عالقة في أذهان البعض من أيتامه ، مثل موضوعة فصل الدين عن السياسة ، وتقسيم العراقيين إلى عربي وعجمي ، وان المرجع الديني العجمي ، لا يحق له أن يتدخل في شؤون العراق ، وغير ذلك من الأفكار القذرة التي زرعها (أبو ناجي) في العراق ، وظلـت عالقة ، حتى الآن ، في عقول البعض ، يرددونها كالببغاوات ، من دون أن يفهموا معناها ، أو يعوا الغرض من ورائها ، وبالمناسبة ، فان الكثير من هؤلاء يتمتعون بمواطنة (أبو ناجي) من دون أن يقول احد لهم ، اذهبوا فانتم غرباء أو أجانب عن هذا البلد ، وهم الذين لم تمر على مدة إقامتهم في بلاد الضباب ، سوى سنوات معدودة ، فما بالك بالمرجعية الدينية التي ولد بعضها في العراق ، أو مرت على إقامته أكثر من نصف قرن ، هذا ، إذا أردنا تناسي أصول السادة منهم ، والتي تعود إلى بني هاشم ، ما يعني أنهم عرب اقحاح معروفي النسب ، وليس كبعض العرب ، مجهولي النسب . لقد كان الدين في العراق ، مشروع تحرر وتحرير ، وكان به جديرا ، كما كانت المآذن والكنائس ، جهاز الإعلام المفضل لدى العراقيين ، للإصغاء إليه وهو يتلو بيانات الثورة وتعليمات الجهاد ، أما العلمانية ، فقد كانت مشروع سلطة ، ولم تكن بها جديرة أبدا ، فلقد حرر الدين ، العراق ، من الاستعمار ، وسلمه إلى العلمانيين ، وإذا بهم يخونون الأمانة فيعيدون البلاد وأهلها ، إلى حضن الاستعمار والاحتلال من جديد ، فماذا يعني هذا ؟ ألا يعني أن الدين أدى دوره بكل جدارة ، فيما فشلت العلمانية فشلا ذريعا في الحفاظ على منجزات الدين ، وفرطت باستقلال العراق وكرامة أهله ؟ . ألا يعني ذلك أن الدين كان أمينا على الوطن والشعب ، فيما خانت العلمانية الأمانة ؟. ثالثا ؛ إن العراق يختلف عن أوربا ، التي نمت فيها بذرة العلمانية ، ثم صدرتها لنا مع بعض أنصاف المثقفين الذين ذهبوا إلى عواصمها للدراسة وطلب العلوم الدنيوية . فالعراق ، مهد الديانات السماوية الثلاث ، المدفون فيه أبو البشر آدم (عليه السلام) ، والذي ولد فيه أبو الأنبياء الثلاثة أولوا العزم ، (موسى وعيسى ومحمد) ، إبراهيم (عليه السلام)، العراق الذي يرقد فيه أئمة الشيعة والسنة ، العراق الذي حكم فيه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، واستشهد ودفن فيه الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) ، لا يمكن أن يكون علمانيا بأي شكل من الأشكال ، لان خصوصياته تختلف كليا عن خصوصيات منبت العلمانية (أوروبا) ، وان التجارب الإنسانية لا يمكن أن تصدر أو تستورد، كعلب السردين ، إذ لكل بلد تجربته ، ولكل شعب خصوصياته وواقعه ، سيفشل من يحاول زرع النبتة في غير أرضها ، أو الاحتفاظ بالسمكة بعيدا عن الماء . قد تستفيد الشعوب من تجارب بعضها البعض الآخر ، ولكن من المستحيل أن تتطابق فيما بعضها تطابق النعل بالنعل ، أبدا . إن فخر العراقي ، انه يسكن في ارض طاهرة ،تحتضن في تربتها ، الأنبياء والأئمة والعلماء والفقهاء وأساتذة مختلف المدارس المذهبية واللغوية والنحوية والفقهية التي تأسست في العراق وانتشرت إلى العالم ليدين بها المسلمون ، فكيف يقارن هذا العراق ، بأي بلد آخر في العالم ؟ ، وكيف تريدون لأهله أن يعتنقون العلمانية ؟. رابعا ؛ كذلك ، فإن الإسلام ، هو الآخر ، يختلف عن مسيحية أوروبا ، التي كانت العلمانية ردة فعل لمنهجيتها ومواقفها المعادية للعلم ، وان المسجد يختلف كذلك عن الكنيسة الأوربية ، فلا الإسلام ضد العلم كما كانت المسيحية في أوربا فترة انتشار الأفكار التنويرية ، أو في عهد الثورة الصناعية ، ولا المسجد ضد التطور والتجدد والتجديد والمدنية ، كما كانت الكنيسة في ذلك الوقت ، والتي أدارت محاكم التفتيش ، للتفتيش في عقول العلماء والمفكرين المتنورين ، بحثا عن الأفكار التجديدية ، فأعدمت مثلا ، من قال بكروية الأرض، وقتلت من دعا إلى نظرية العقد الاجتماعي ، وفصل السلطات الثلاث ، وما إلى ذلك . إن الإسلام دين ودولة ، دنيا وآخرة ، روح ومادة ، تدين وسياسة ، مسجد وساحة ، واكرر ، من دون أن يعني ذلك بالضرورة ، أبدا ، الدعوة إلى إقامة نظام ديني في العراق ، ولكنه يعني ، بكل حزم وجزم ، الدعوة إلى احترام الدين ـ أي دين ـ وأهله وأخلاقه وقيمه وقواعده وعلماءه ومؤسساته . وإذا كانت المسيحية التي جاء بها نبي الله عيسى بن مريم (عليه السلام) ، من الأساس ، دعوة روحية لم تنشأ في ظلها دولة بالمعنى الحديث للكلمة ، حتى في عهده (عليه السلام) ، فان رسول الإسلام محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أقام دولته في المدينة ، ومن بعده الخلفاء الراشدين الأربع ، وهكذا ظل الإسلام مشروع دولة ، بالرغم من كل حالات المد والجزر في مشروعه السياسي ، وهذا ، كذلك ، ما يميز العراق (الإسلامي) عن أوروبا (المسيحية) . خامسا ؛ لقد اعترف ، كل من سعى إلى إبعاد الدين وقيمه عن الحياة العامة ، بخطئه الفضيع ، ولكن بعد فوات الأوان ، كما هي عادة الإنسان ، عندما يريد أن يعترف بخطئه . إقرأوا كتاب ( البيروستريكا) لمؤلفه ميخائيل غورباتشوف ، آخر الأمناء العامين للحزب الشيوعي السوفيتي ، وآخر زعماء الاتحاد السوفيتي المنحل ، الذي اعترف فيه ، بأن واحدة من اكبر أخطاء الشيوعية ، هو محاربتها للدين ، ومحاولة إبعاد أخلاقه وقيمه عن المجتمع السوفيتي . وراجعوا نص الخطاب الرئاسي ، الذي أدلى به الرئيس الاميركي جورج بوش قبل سنتين ، وهو يتحدث في البيت الأبيض ، بحضور علماء مختلف الديانات في الولايات المتحدة الاميركية ورجال إدارته، في حفل التوقيع على قانون الأديان المعروف، وهو يتحدث عن دور الدين في الحياة العامة ، خاصة ، في مجال التربية . ثم إقرأوا ما كتبه الدكتور فاضل الجمالي ، قبل وفاته بسنة ، (توفي في تونس عام 1996) ، عن الخطأ الفضيع الذي ارتكبه المسؤولون على التربية والتعليم في العراق ، بشأن تهميش دور التربية الدينية في المناهج التعليمية والتربوية ، وهو بالمناسبة ، كان قد تولى رئاسة الوزارة في العراق مرتين ، ورئاسة المجلس النيابي مرتين ، ووزارة الخارجية ثمان مرات ، وكان قبل ذلك ، من رجال التربية والتعليم البارزين ومديرا عاما لوزارة المعارف العراقية لمدة عشر سنوات . فلماذا يصر هؤلاء ، على تكرار التجارب الفاشلة ، ومع سبق الإصرار ؟. سادسا ؛ لا ادري أية علمانية يريد هؤلاء للعراق ؟ . أهي علمانية فرنسا ، التي تمنع الحجاب الإسلامي بالقوة ؟. أم علمانية تركيا ، التي قادت الانقلابات العسكرية ، بسبب اقتحام الحجاب الإسلامي لقبة البرلمان ؟. أم علمانية تونس ، التي منعت العمال من الصوم في شهر رمضان الكريم ؟. أم علمانية رضا خان ، الذي قتل المرأة بسبب ارتدائها للحجاب الإسلامي ؟. أم علمانية الاتحاد السوفيتي (الشيوعية) ، التي حاربت الكنيسة والمسجد على حد سواء ؟ ، ومنعت المسلمين من إطلاق الأسماء الإسلامية على مواليدهم ؟. كل هؤلاء يقولون إن أنظمتهم علمانية ، وهم بالمناسبة ، من أكثر الأنظمة تدخلا في شؤون الدين ، أما إذا تدخل رجل الدين بالسياسة ، ولو بشطر كلمة ، أو على الهامش ، فسوف يعدم ويفنى من على وجه الأرض ، لأنه ، وبكل بساطة ، يعيش في ظل ( أنظمة علمانية) . أية علمانية لم تتدخل بالدين ؟ ، حتى يطالبون الدين بان لا يتدخل بالسياسة ؟ . حتى الذين يتبنون المنهج المعادي للدين ، حاولوا امتطاء صهوة جواده من اجل إيجاد مواطئ قدم لهم في المجتمع العراقي ، كما كان يفعل الشيوعيون طوال الستينيات والنصف الأول من السبعينيات من القرن الماضي ، عندما كانوا يسيرون مواكب العزاء الحسيني أيام محرم الحرام في مدينة كربلاء المقدسة ، للظهور بمظهر الولاء للإسلام وشعائره المقدسة . بل إن اعتى الطغاة ، وعلى مر التاريخ ، كانوا يتلفعون بعباءة الدين ، لأنهم يعرفون ، أنهم إن أرادوا أن يضفوا الشرعية (وان كانت مزيفة) على أنظمتهم وسياساتهم ، فلا يمكنهم ذلك ، إلا بتركيب آيات القرآن الكريم ، على عناوينها لتبدو مقبولة عند الناس . لا أريد هنا أن أهون من المشكلة المزمنة القائمة بين الدين والعلمانية ، ولكنني أريد أن أقول ، بان فتح النار بهذه الصورة المتشنجة ، على كل ما يمت إلى الدين بصلة ، سوف يعقد المشكلة أكثر ، لأنه سيستعدي حتى المتنورين من الإسلاميين ، الذين تعاون معهم العلمانيون مدة طويلة من الزمن ، قبل أن يسقط نظام الطاغية الذليل ، كما أنهم سيستعدون ، بهذه الطريقة ، كل المتدينين ، من المسلمين والسيحيين وغيرهم ، خاصة (رجال الدين) ، وما أكثرهم ، إذ كيف يجيز هؤلاء لأنفسهم ، أن يحرموا كل هؤلاء من التدخل في السياسة ، ويمنعونهم من التعاطي بالشأن العام ، وكأنهم ليسوا مواطنين ، أو أنهم مواطنون من الدرجة الثانية ؟ . لنفكر ، إذن ، بطريقة ثانية ، أكثر عقلانية واقرب إلى الواقع العراقي ، لنصل إلى طريقة توافقية تمنع الصدام بين الدين والعلمانية ، وبين (الدينيين) وبعض العلمانيين ، طريقة تعايش بين الطرفين ، حتى لا يطغى أحدهما على الآخر، فالتعميم في المواقف خطأ، كما أن التعميم في القياس ، خطأ هو الآخر . ليستعد الجميع إذن ، لدراسة كل الأفكار والنظريات ، من دون شروط مسبقة أو أحكام ومواقف استعدائية تاريخية ، لأنهم جميعا أمام اختبار المصداقية ، في كل الشعارات التي رفعوها طوال فترة العمل في حركة المعارضة أيام النضال السلبي .
|