السنة للحكم والشيعة للطم |
فائق الياسري نقل عن أحد أعضاء ما يسمى بمجلس الحكم شعار ذو معان كثيرة ومعبر عن حالة واقعية في المجتمع العراقي المتعدد الأطياف والأعراق فمنذ احتلال العراق وانهيار نظام البغي الصدامي تشهد المدن المقدسة الشيعية وكذلك مدن أخرى يوالي سكانها مذهب أهل البيت النبوي الشريف عليهم السلام إحياء المناسبات الدينية لديهم بلطم الصدور وفج الرؤوس بالمدي والسيوف وضرب القفا بالسلاسل والسكاكين في مشهد سادي مقرف إلى حد بعيد والذي راكم على مدى مئات السنين ثقافة العنف والجريمة والاستهانة بقتل الآخر وتعذيبه.
كانت هذه الاحتفالات تأخذ طابع التعبير عن الحزن والأسى واللوعة وتأنيب الضمير على حادثة كربلاء التي قتل فيها الإمام الثائر الحسين بن علي عليه السلام وخيرة صحبه وأعز أهل بيته وسلب مقتنياته وسبي نسائه إلى مركز الخلافة الأموية في الشام بمعاونة أهل العراق الذين نكثوا عهدهم للحسين وانقلبوا عليه قبل أن تطأ قدمه بلادهم.
إن شعور أهل العراق بالندم على فعلتهم تلك والتي سببت الحسرة والمرارة إلى يومنا هذا رغم الثورات المتعاقبة للانتقام من القتلة والمجرمين ابتداءا من ثورة التوابين بقيادة المختار الثقفي في الكوفة وانتهاءا بيومنا هذا الذي استمر الشيعة عبره يلتزمون بالتعبير عن ذلك الندم وتلك الحسرة بالمظاهر والطقوس التي يقومون بها على مدار أغلب السنة وخصوصا في محرم الحرام وصفر المظفر إضافة إلى عدم موالاة الحكام على امتداد التاريخ. لقد كان لمنع الدكتاتور صدام حسين الشيعة من أداء هذه الطقوس دورا في تأليبهم ضده وقيامهم بانتفاضات وثورات وتحالفات أدت بالإطاحة به ووقوع العراق تحت نير الاحتلال الأجنبي وبالتالي تمكن الشيعة من استعادة حريتهم في أداء هذه الطقوس ولكن هذه المرة في غرابة لم يشهدها العراق من قبل حينما خرج بعضهم يلطمون صدورهم في حفل بهيج بكربلاء مما أعطى الحق للقائلين بأن الشيعة لا هدف لهم إلا لطم الصدور وفج الرؤوس. في ظل هذه الحال التي تعتري الشيعة تمكنت قوة الاحتلال من بسط سيطرتها الكاملة وبكل يسر وسهولة على مدن الشيعة وقصباتهم في حين ظل الوضع تصعب فيه السيطرة في المناطق ذات الأغلبية السنية التي انشغلت بمقاومة الاحتلال وتحرير البلاد واستعادة السيادة التي تمكنهم من قيادة البلاد بعد التحرير على أكمل وجه وفق ما ينطلق من شعارات وردت على لسان أكثر خطب أئمة الجمعة والجماعة. لقد وقفت القوى الدينية والعلمانية السنية في صف واحد تدعوا إلى مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة في وقت يشارك بعضه أو من هو محسوب عليها في ما يسمى بمجلس الحكم الذي يعاون سلطة الاحتلال على الاستمرار باحتلالها للبلاد فيما تشهد الساحة الشيعية انقساما حادا في وجهات النظر التي يتقاسمها المرجع الإيراني الشيعي المقيم في النجف وتيار الصدر الذي أعيق عن مقاومة المحتلين بفضل ذلك الانقسام. كما أن الحركات السياسية الشيعية قد وزعت ولاءها وفقا لمصالحها فاستغل البعض عباءة السيستاني لينطلق من تحتها لتحقيق مآربه في الاستحواذ على مقاليد الأمور فيما اتجه البعض الآخر في التحالف مع الصدريين باعتبارهم يمتلكون القاعدة الشعبية الأوسع في الساحة العراقية والأكثر تأثيرا. أما التيار الشيعي العلماني فقد ظل يراهن على تحالفه مع المحتلين الذين يعتبرونهم ورقتهم القادمة في المرحلة اللاحقة. أما الغالبية العظمى من جماهير الشيعة التي باتت تعاني من حدة ازدياد الفقر والفاقة فقد آثرت حضور المجالس المقامة في التكايا والحسينيات واحتساء القيمة واللطم على الصدور كتعبير عن الأسى والمرارة لما حل بهم وبوطنهم وبما هو آت في المجهول.
النرويج في 26/1/2004
|