الانتخابات مشروع حضاري ولكن ! |
فائق الياسري تمتاز بعض شعوب الأرض بتفوقها الحضاري من خلال احترامها لأبناء جلدتها واحترامها لهم وتقديرها لجهودهم ومنحها لثقتها لهم في التصدي للمهمة التي ينتدبون للقيام بها على أحسن حال كما هو معهود بهم ، حيث تقدم تلك الشعوب الشعب اليوناني كأقدم شعب عرف الانتخابات ووضع الأسس الأولى للديموقراطية والتي عبر عنها المؤرخون بديموقراطية أثينا أو الديموقراطية الأثينية أو الديمقراطية المباشرة بعد أن مرت بأشكال شتى من النظم السياسية للحكم كالنظام الأرستقراطي أي حكم القلة الفاضلة والأوليجيكاركي أي حكومة القلة الغنية التي تعمل لصالحها الخاص والتيراني أي حكومة الطغيان والديماغوجية التي تعني قيادة الجماهير وكذلك الحكم الملكي أو الفردي 1.
لقد كان الناس في أثينا حينذاك يجتمعون في إحدى الساحات الكبيرة العامة أو إحدى الفضاءات الواسعة لاختيار ممثليهم ومندوبيهم وحتى حكامهم عبر ممارسة ودية وشعور بالمسؤولية الكفائية في وقت كان الناس في المجتمع الشرقي والعربي خاصة يتسلط عليهم حكاما وزعماء بقوة السيف والبطش والترهيب والتي استمر ديدنها حتى يومنا هذا مع أن الشرق يمتلك قيمة فكرية وحضارية تقترب إلى حد بعيد من الثقافة والطريقة الأثينية التي كانت سائدة آنذاك والتي تطورت إلى ما هي عليه الآن.
إن شعبنا العراقي وكبقية شعوب الشرق التي عبر عنها الأثينيون عند عودة الإسكندر المقدوني من غزوه للشرق وطلبه منهم تكريمه وإطاعة أوامره والركوع لهيبته ( أن الشرقيين في نفسهم طبيعة العبيد )2 التي خلقها النظام السياسي والإداري القائم قبل احتلال الإسكندر لبلادهم والذي مهد للنصر الذي حققه الإسكندر ، ولذلك طلبوا منه العودة إلى المكان الذي كان يحترم فيه ويركع له ويرضى بالاحتلال ويطيع المحتلين أما هم الأثينيين فلن يتخلوا عن طريقتهم في انتخاب حكامهم وتسليم مقاليد البلاد إلا لمن يثقون به مهما امتلك من أسباب القوة فلن يستطيع فرض إرادته الفردية عليهم.
نعم إن شعبنا العراقي الذي استسلم أغلبه للمحتلين وخضع لإرادتهم ورضي بمخططاتهم التي لا تتوافق مع رؤى وعقيدة ومصالح الشعب خوفا من وحشية المعتدي أو طمعا في وعود ه التي تزيغ لها الأبصار ، لا يمكنه في ظل هذه الظروف والأحوال أن يقول كلمته ويختار بحريته ويعطي ثقته لأناس لم يعلم عن سلوكهم وممارساتهم شئ سوى قدومهم على رؤوس دبابات الاحتلال الذي عينهم معاونين ومساعدين لترويض الشعب على قبول مبدأ الاحتلال وقيادته للبلد وهيمنته على كل مفاصل شؤونهم حتى بعد إعادة السيادة للعراقيين وتشكيل حكومة صورية تأتمر بأوامر الأمريكان.
كما أن إجراء الانتخابات في ظل هكذا وضع يتنافى مع القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الموقعة عام 1947 والتي تنص المادة 64-2 من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على أنه "لا يجوز لدولة الاحتلال إخضاع سكان الأراضي المحتلة للقوانين التي تراها لازمة لتمكينها من الوفاء بالتزاماتها بمقتضى هذه الاتفاقية، وتأمين الإدارة المنتظمة للإقليم وضمان أمن دولة الاحتلال وأمن أفراد وممتلكات قوات أو إدارة الاحتلال وكذلك المنشآت وخطوط المواصلات التي تستخدمها."....... وفي سبيل ذلك، وإقراراً بالطبيعة المؤقتة للاحتلال، يتعين على دولة الاحتلال إدارة الأراضي قدر الإمكان من دون إجراء تغييرات بعيدة المدى في النظام القائم، وفي الوقت ذاته ضمان حماية الحقوق الأساسية للسكان ..3
إن الظروف الحياتية القاسية والأمنية المتردية والفوضى السياسية العارمة والانتهازية الخطيرة التي يمر بها الوطن وحالة الانقسام غير الطبيعي في المجتمع العراقي لا يمكن التكهن من خلالها في صحة اختيار الأفراد لمندوبين مخلصين يهدفون إلى تحقيق مصالح الشعب والوطن ويعملون على إخراجه من المحنة الكبيرة التي وضع فيها.
كما أن المؤشرات والدلائل تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن دعاة الانتخابات في هذه الظروف لم ينطلقوا من دافع الحرص على مصلحة الشعب والوطن أو من دافع الرغبة في تحقيق أوسع مشاركة في عملية بناء النظام الجديد ولكن بدافع الحرص على الوثوب إلى سدة الحكم من خلال إغواء الجماهير المنهكة والتي من الممكن خداعها بوعود جزلة لا ترقى إلى مجال التحقيق بسبب الهيمنة الأمريكية على مركز القرار حاضرا ومستقبلا ولأنها فقدت الأمل في استلام مقاليد السلطة بعد أن نص اتفاق طالباني – بريمر على حل مجلس الحكم بعد تشكيل مجلس انتقالي جديد وفق المنهج الأمريكي المعلن والذي قد تكون لبعض القوى حظا أوفر فيه. ومع إننا نعتقد بأن الانتخابات هي أنجع أسلوب وأضمن وسيلة لإيصال أناس مخلصين وكفوئين إلى مركز الإدارة والقرار وتحمل مسؤولية إخراج البلاد من وضعها الراهن إلا أننا وللأسباب التي مر ذكرها نجد أن العراق اليوم مجبول على انتزاع السيادة أولا من المحتل الغاشم الذي ما فتئ يملي إرادته على شعبنا ويجند الآلاف من ضعاف النفوس والمتآمرين على السيادة الوطنية لخدمه مشروعه في العراق والمنطقة هذا الانتزاع الذي يجب أن يأتي أولا عبر الأمم المتحدة كوسيط دولي للنزاع بين المحتل والشعب العراقي.
إن العراق اليوم بحاجة إلى توحيد كل قواه الوطنية ورموزه الاجتماعية والسياسية المعروفة بوطنيتها وإخلاصها ونزاهتها لتكوين مرجعية وطنية شاملة تتوافق عليها كل الأطياف تتولى مهمة تشكيل حكومة وطنية تعمل على استقرار الأمن وتحسين الأوضاع المعيشية للسكان وتهئ بمشاركة أممية وعربية لمرحلة الدولة الدستورية المنبثقة من وسط الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة وفي ظل انكشاف الحقيقة الغائبة أو المغيبة للشعب. النرويج في 27/1/2004 ----------------------------------------------- 1- مسيرة الديمقراطية رؤية فلسفية / د.إمام عبد الفتاح إمام 2- أرسطو طاليس كتاب السياسة 1285- أ 3- العراق مسؤولية دولة الاحتلال / العفو الدولية رقم الوثيقة41/089/2003
|