الدولة والمجتمع المدني أيهما يسبق الآخر؟
لن أتعرض هنا لتعريفات المجتمع المدني فهي متعددة ومتشعبة ويمكن الرجوع إلى المراجع للحصول على ما تيسر منها ولكن يعنيني هنا تعريف خاص للدولــة قال به ماكس فيبر عالم الاجتماع الألماني الشهـير (بأنها من يحتكر العنف الجسدي المشروع) والعلاقة بين الدولة والمجتمع المدني شغلت على مدى طويل بال المفكرين السياسيين والاجتماعيين فمنهم من يرى أن الدولة إلغاء للسلطة الطبيعية السابقة لها فهي بذلك تجديد بالنسبة للمرحلة السابقة ومنهم من رأى أنها امتداداً وحفظاً للمجتمع الطبيعي وليست بديلاً عنه أي أنها تحتويه وتسوغ أهدافه وهناك من قال بأنها حفظاً وتعالياً لمجتمع ما قبل الدولة أي أنها تحتوى المجتمع المدني وتتعالى به أي تحوله من شكل كلياني "شمولي" الى واقع عضوي (عالم الفكر-مارس 99) جميع هذه التعاريف نابعة في الأساس من بيئاتها الأوروبية وممزوجة بتطورات الواقع الأوروبي خلال عملية الانتقال الى مرحله الحداثة خلال القرون الأخيرة.
واقتصاري على تعريف الدولة ودورها على وجه الخصوص لم يكن غير مقصود وذلك لسبب واضح تختص به الدولة في عالمنا العربي وظروف قيامها سواء بعد خروج الاستعمار وقيام الكتل العسكرية بالاستيلاء على الحكم أو بعضها الآخر الذى إنشاءه الاستعمار قبل رحيله بشكل أو بآخر، فهناك أشكال متعددة لقوى المجتمع المدني في عالمنا العربي ولكنها تفتقد التلازم مع الدولة والتكامل معها خاصة فيما يتعلق بالشق السياسي من المجتمع المدني وأطيافه العديدة.
وفي اعتقادي أن المجتمع المدني والدولة مفهومان متلازمان لا يمكن لأحد الطرفين أن يؤدى رسالة بالصورة المطلوبة دونما مساعدة ودعم من الطرف الآخر. فمن الصعب تصور دولة وطنية يلتف حولها المواطنون دونما مجتمع مدني يساندها ولا يمكن للمجتمع المدني أن يؤدى دوره بشكل فاعل دون وجود الدولة الدستورية القوية ولكن هذا التلازم والتكامل لا بد له من عمود فقري يدعمه ويؤكده فهل هو الشكل الديمقراطي أم الشكل الشمولي للدولة الجواب على هذا السؤال معروف بل إن الإثبات الحقيقي لأي دولة بأنها ديمقراطية هو في تركها لنواة المجتمع المدني فيها بأن تنمو وتكبر (فيما يتعلق بواقعنا العربي والخليجي على وجه الخصوص) فالمجتمع المدني فطري الوجود وينمو ذاتياً استجابة لحاجة الناس وأمالهم واستيعابه قوة للدولة ولكن الدولة الشمولية تخشاه لتهديده لشموليتها وأهدافها فلذلك قد تستعمل معه العنف المشروع انطلاقاً من التعريف السابق في وضع غير مشروع وغير أنساني بل وربما تستبدله بمكونات لمجتمع مدني (رسمي) آخر يزيد من شموليتها وشذوذها التاريخي وخداعاً للتاريخ وتزويراً لوقائعه وتطوره
عبدالعزيز بن محمد الخاطر- كاتب قطري
تاريخ الماده:- 2004-01-05